‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة المرشد الأسبوعية. إظهار كافة الرسائل

النصر مع الصبر

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم ومَن والاه، وبعد..

الصبر الجميل خلق هذه الأمة:

يقول تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51)، فالنصر حيث الصبر، ليس في الآخرة فقط، وإنما يتحقق في دنيا الناس كذلك، فالصبر الذي ليس معه ضجر أو يأس أو قنوط، هو صبر الثابتين: في تصوراتهم حيث لا تشكيك ولا انصراف عن المبدأ، وفي أعمالهم فهم لا يستعجلون النتائج أو يتوقفون عن نهجهم، وفي استمرارهم حيث إنهم مستمسكون بمنهجهم وطريقهم، يقول تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 153).

فمن الصبر الجميل تحمل كل المشقات من أجل تحقيق نهضة أمتنا؛ حيث إن طريق البناء شاق، ومليء بالتحديات، وطبيعته الابتلاءات؛ ما يستلزم الثبات على المبادئ، والالتزام بالمنهج واليقين في وعد الله للصابرين ووعيده للظالمين المستبدين.

ومن الصبر الجميل ألا تؤثر الشكوك في الثابتين مهما تأخَّرت ثمار العمل ونتائج التضحيات، فنحن لا ننتصر لأشخاصنا، وإنما ننتصر لإسلامنا ودعوتنا ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)﴾ (الزخرف).. هذه هي الغاية، وهذا هو اليقين، وهذه هي الوسائل، وعلى المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النتائج.

النصر غال وثمين:

إن هذا النصر الذي منَّ الله به على مصر، إنما جاء بعد أن دفع المصريون جميعًا بما فيهم الإخوان المسلمون ثمنه غاليًا جدًّا، فهو تراكم من المظالم الفادحة، وتراكم من التضحيات الغالية، فالإمام البنا ينادي الصابرين: "هل أنتم على استعدادٍ أن تجوعوا ويشبع الناس؟ وأن تسهروا وينام الناس؟ وأن تموتوا وتحيا أمتكم؟"، فهذا هو طريقنا، يقول تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، ويقول تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (الحج: من الآية40).

فمن الأنبياء مَن قُتل، ومنهم مَن أُخرج من دياره، ومنهم من عُذِّب، حتى تساءل البعض: أين وعد الله بالنصر؟ أما الذين كانوا على يقينٍ من وعد الله فقد رأوا بأعينهم النصر شاخصًا، يقول تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 137)، ويقول تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: من الآية 50)، وهذه سنن إلهية لا تتغير.. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)﴾ (المرسلات).

وبعد زوال الطاغية المستبد الذي جثم على صدور أبناء مصر عشرات السنين رأينا لآيات الله مذاقًا خاصًّا ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران)، وكان قبل ذلك اليقين في القلوب أن الآية التي تليها من سنن الكون ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران) فلا بد لظلام الليل من فجر يتلوه، ولا بد لظلام الظلم من فجر للحرية يزيله ويكسر قيوده.

في انتظار (نصر الله الأكبر):

هذا النصر الذي جعله الله محبب إلى النفوس لأنه عاجل، يقول تعالى عنه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ (الصف)، هو الذي يدفعنا بحب إلى الإكثار من العمل، والتقرب إلى الله، والابتعاد عن معصيته؛ لأنه يمثل في حقيقة الأمر دفع الله للناس بعضهم ببعض يؤدي إلى إهلاك الله للفاسدين والظالمين والمستبدين، وهي سنة الله التي لا تتبدل، يقول تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾ (العنكبوت).

فكل ما كان يتصوره الناس هزيمة، كالسجن والاعتقال والطرد والأذى والقتل، هو ذاته الذي كان يصنع النصر، فدم الشهداء هو في حقيقته انتصار في الدنيا والآخرة معًا، يقول تعالى على لسان الشهيد: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس).

وهذا الذي يتمناه كل صادق صابر مجاهد "فزت ورب الكعبة".. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: من الآية 185).

مهمتنا إزاء النصر:

إن البناء والنهضة، التي هي واجبات على أصحاب الرسالات وحملة الدعوات تمثل حجر الزاوية في مهمتنا الآن، يقول تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 129)، والحفاظ على النصر وحراسة المكتسبات والاستمرار في المطالبة بكل الحقوق لجميع أبناء الشعب وفي مقدمتها الحرية والعدالة وكذلك الحذر من الغفلة في مواجهة الأعداء المتربصين في الداخل والخارج الذين يودون لو نغفل فيميلون علينا ميلة واحدة، ولكن الله عزَّ وجل خير حافظ وهو أرحم الراحمين، والتحرر من كل القيود، فلا حياةَ دون حرية، ولا حرية دون رسالة، فإن الناس جميعًا يموتون ولكنهم جميعًا لا ينتصرون، فالانتصار الحقيقي هو في هذا التحرر، الذي هو اختيار الله وتكريمه للمنتصرين وقمة الحرية هي في العبودية لله عز وجل وحده.

كل هذه المهام الواجبة تتطلب التضحية بأعظم ما نملك، وكان الله قد منَّ علينا بتأييده ثم نصره في ثورة 25 يناير، فإن هذا النصر قد وضع الأمةَ على بداية طريق النهضة والبناء، حتى تتحقق العزة والرفعة والتغلب على كل التحديات، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾ (الصافات).

يا أبناء الأمة: يا من تحررتم ويا مَن في طريقكم للتحرر

- عليكم بالحفاظ على تأييد الله لكم، والأخذ بكل أسباب النصر فما النصر إلا من عند الله.

- وعليكم بالوقوف أمام التحديات التي تواجه الانتصار وتحاول سرقته، كالظلم والركون إلى الظالمين وارتكاب المعاصي والغفلة عن حراسة النصر الذي دفع فيه الشهداء دماءهم.

- وعليكم بعد انكشاف الباطل وزيفه أن تحافظوا على إحداث بيئة صالحة لإكمال رفعة الوطن، بلا استعجالٍ للثمار، أو قفزٍ للنتائج، متأسين بالقدوة صلى الله عليه وسلم، وقد قال له ربه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)﴾ (القلم).

- وعليكم بالأخذ بكل وسائل استمرار هذا النصر، من التجرد والإخلاص لله تعالى، والتمسك بالمنهج والاستقامة عليه، والصدع بالحق بلا مداهنة أو خوف، والصبر والثقة في نصر الله، والاستفادة من كل تجارب النهضة فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

- وعليكم بالثبات أمام التحديات، حتى يكتبكم الله من الطائفة القائمة بأمر الله، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (متفق عليه).

- واعتزوا بدينكم ودعوتكم، فما من طريقٍ للعزة والكرامة والرقي في الدنيا، ولا طريق إلى رضى الله والجنة سواه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).


ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن سار على هديهم، وسلك طريقهم إلى يوم الدين.. أما بعد:


فإلى كل مسلمٍ غيور حاكم أو محكوم..

وإلى كل محبٍّ للخير، وراغب في الحرية، ومشتاق للعدل..

إلى مَن يُنشدون السلام العالمي ويطمعون في أن يعم الأمن المجتمعات..

أوجه هذه الكلمات أداءً للأمانة التي حمَّلنا الله إياها، وقيامًا بحق الدعوة التي كلفنا الله بها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).



أيها المسلمون أجمعون.. أيها الناس في كل مكان..

اعلموا أن للكون إلهًا يهيمن عليه، ويصرف أموره، ويدبر شئونه، ولا يقع فيه إلا ما يريد:

﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: من الآية 18)، ومن هذا الأساس فنحن لا نخاف إلا من الله، ولا نركن إلا إليه، ولا نعتزُّ إلا به، ولا نتوكل إلا عليه.



وقد جعل الله العدل قوام المجتمعات، فهو يَدْعُو إلَى الْأُلْفَةِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الطَّاعَةِ، وتُعَمَّرُ بِهِ الْبِلَادُ، وَتَنْمُو بِهِ الْأَمْوَالُ، ويبارك في الذرية، وَيَأْمَنُ بِهِ السُّلْطَانُ، ومن ثَمَّ أمر الله به: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).



وبالعدل يدوم الملك، ويملك الحاكم قلوب الرعية، وبالجور والقهر لا يملك شيئًا، ولا يرى إلا المنتفع ولا يسمع إلا للمنافق، والقلوب عليه مختلفة، والدعاء عليه ليل نهار.



كما جعل الله الظلم سبب الهلاك، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)﴾ (الكهف)، وإن الله- عز وجل- لا يغيب عنه ظلم الظالمين: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾ (إبراهيم).



إن الله عزَّ وجلَّ يملي للظالمين لكنه لا يهملهم: فعَنْ أَبِي مُوسَىَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ".. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود).



وقد جعل الله للكون سُننًا لا تتخلف، وقوانين مطردة في بقاء الأمم وهلاكها، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاَ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43)﴾ (فاطر).



وهذا جانبٌ من هذه السنن:

1- لقد أرسل الله الرسل وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل الكتب وختمها بالقرآن الكريم؛ ليهدي البشرية لما فيه خيرها، وليحذرها مما فيه هلاكها.. قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)﴾ (الأنعام).



2- حين تستكبر الأمم، وتعاند وتُكذِّب ما جاءت به الرسل، وتظل سادرةً في طريق الغواية والضلالة، فإن الله- عز وجل- يُنزل بها الشدائد، ويبتليها ببعض المحن، لعلها تفيق، وتعرف ربها، وتهرع بالوقوف ببابه، والتضرع إليه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)﴾ (الأنعام).



3- إذا لم تُجدِ معهم هذه الابتلاءات، وزيَّن لهم الشيطان سُوء أعمالهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)﴾ (الأنعام)، وإذا ظلوا في طغيانهم يعمهون، وتطاولوا على الرسل وهددوا بإخراجهم:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)﴾ (إبراهيم)، حين يصل بهم الاستبداد إلى هذا المدى، فإن الله يمهلهم فترةً من الزمن، ويمتعهم حينًا من الدهر، ثم يُنزل بهم بأسه الشديد: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ (الأنعام).



ومن حكمة الله إهلاك العصاة الجاحدين، وهم في أعلى درجات الترف، وفي أشد لحظات المتعة؛ ليكون أشد وقعًا على نفوسهم؛ فالإنسان في لحظات الشدائد يتمنى الموت؛ ليتخلص مما يعانيه من آلام؛ وفي لحظات النعيم والترف تمتد به حبال الآمال، ويتعلق بطول الآجال لينعم بما هو فيه من ترف، وليرتعوا في الفسوق والعصيان؛ وليتمتعوا بما أحاط بهم من الشهوات والملذات، وبذلك يتحقق لهم الهلاك ويحق عليهم وعيد الله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصيدًا خَامِدِينَ﴾ (الأنبياء).



أيها المسلمون.. احذروا من المفسدين أدعياء الإصلاح:

وحتى لا ينخدع الناس بالمفسدين، المتشدقين بدعوى الإصلاح، وحتى لا نقع في شراك الظالمين، حذرنا الله عز وجل من طائفةٍ من الناس لهم أقوال مزخرفة، وألسنة معسولة، يعجب بها العوام، ويحسبون أن من ورائها إصلاح، بينما هم أُس الفساد وأساس الدمار:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)﴾ (البقرة)، ولو نهيتهم عن الفساد أجابوك بأنهم مصلحون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة).



وفي موضعٍ آخر بيَّن أن في كل دولة أكابر في الإجرام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)﴾ (الأنعام).



وقد تضمَّن هذا البيان أن مكرهم سيرتد إلى نحورهم، وقد تأكد ذلك في آياتٍ أخر قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، وإذا كان ذلك مكرهم فلله مكر وتدبير: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (20) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)﴾ (الشعراء)، إن هؤلاء لا يعجزون الله مهما كان مكرهم، ومهما كان سبقهم في العدة والعتاد، ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..﴾ (الأنفال).



لا بد من مقاومة الظالمين:

لقد حضَّ الإسلامُ أتباعه على الوقوف في وجه الظالمين بالنصح والإرشاد، والنطق بكلمة الحق أمام الجائرين، ولو كلَّفهم ذلك دفع حياتهم ثمنًا، فعن جابر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه فقتله"، بل جعل ذلك من أفضل الجهاد، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ".



والقيام بهذا الواجب يحتاج إلى إيمانٍ ثابتٍ ويقين راسخ، وتوكل تام على الله عز وجل، والخوف والهيبة منه وحده لا شريك له، والثقة الكاملة بأن الخلق لا يملكون لنا ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فكل ذلك يمنح المؤمن إرادةً قويةً وعزيمةً صادقة، وشجاعةً في قول الحق وإعلانه، والوقوف في وجه الجور والظلم، وكل ذلك يتجلَّى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلاَ إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"؛ لأنه حقيقية لا يقدم من أجل ولا يؤخر من رزق، والآجال والأرزاق بيده وحده عز وجل.



واقعٌ مُرٌّ وحالٌ لا يسرُّ:

إن الناظر إلى الواقع المحيط بنا، والمتأمل فيما يقع على الساحة العالمية، يستطيع أن يرى أن التوجه العام العالمي يعمد إلى أن يعم الاستبداد ديار المسلمين، وأن يملأ الطغيان والفساد كل البلاد، وأن يصطلي بناره كل العباد، ولعل هذا جزءٌ من مخطط عالمي كبير لإقصاء الإسلام من أن يحكم، حتى ولو جاء بطريق الديمقراطية، وأيضًا لإبعاد المسلمين من أن يكون لهم دور في سياسة بلادهم، أو عمل لإعزاز أوطانهم.. واسترداد حرياتهم.. وأضحت فلسفة الطغاة المستبدين عولمة الاستبداد، ونشر الفساد والانحلال، وبث الظلم، وتمزيق المتجمع، وتفريق المتحد؛ حتى يتمكنوا من الوصول إلى مصالحهم المادية، ومطامعهم الاستعمارية، وإذا كان المستعمر قد رحل لكن نفوذه وهيمنته على تلك الدول مستمر!.



وكل ذلك على صورةٍ من الجشع والنهم لم ترَ الدنيا لها مثيلاً.. وأصبحت هذه المعاني هي محور التنافس بين الدول القوية.. وإن حاولت كل منها أن تستر جشعها ومناورتها بستارٍ من دعوى المبادئ الاجتماعية الصالحة والنظم الإنسانية الفاضلة كنشر الديمقراطية، وتعميم الحرية، وتحقيق العدالة، والمحافظة على حقوق الإنسان.



مظاهر الظلم والاستبداد في الدول العربية الإسلامية:

وإذا كان هذا جانب من الاستبداد العالمي فإنه يقابل باستبداد أنكى وأشد من كثيرٍ من الحكومات الإسلامية والعربية، والذي تتجلى مظاهره في:

1- القضاء على رموز الأمة من الرجال، وأصحاب العقول الناضجة، واستئصال كل مَن تفوق، وإقصاء أصحاب المواهب والقدرات من الوظائف المؤثرة في بناء المجتمع، وإسنادها إلى المقربين ومن لا خبرةَ لهم.



2- ترَّتب على ذلك أن وُسِّد الأمر إلى غير أهله فضُيعت الأمانة، فكان تبديد أموال الشعب على الشهوات والملذَّات، ومصادرة الحريات ونهب الممتلكات، ورهن مصالح الوطن وإرادتها للأجنبي، وساد التخلف والفقر والبطالة والنفاق والفساد".



3- منع النقابات والمؤسسات الأهلية من القيام بدورها بل وإغلاقها، منذ عشرات السنين، وحجب كل ما يعمل على تنوير النفوس أو كل ما يبث الشجاعة والثقة بالنفس أو يحقق تلاحم أبناء المهنة جميعًا يدًا واحدةً من أجل صالح مهنتهم ووطنهم مسلمين ومسيحيين.



4- العمل الدءوب على تدمير روح المواطنين، وقتل الولاء عندهم، وتعويد الناس على قبول الذلة، والرضا بالهوان، واستمراء الخسة والضعة، والعيش بلا كرامة.



5- وجود الشرطة السرية والجواسيس وبث العيون في أرجاء البلاد.. وإقصاء كل شريف نبيل عن الوظائف الحكومية باسم تقارير أمن الدولة.



6- إفقار عامة الشعب حتى ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم، فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من العمل للتغير والإصلاح.



7- إرهاق كاهل الفقراء بالضرائب والجمارك والرسوم، ووضع العراقيل أمامهم عند سعيهم لإقامة مشروعات يكسبون منه أقواتهم، في حين تُسهَّل لأصحاب النفوذ وأقاربهم.. فلا ضرائب ولا جمارك ولا رسوم، مما يترتب عليه تركيز الثروة في يد أصحاب السلطة، وبتزاوج السلطة والثروة ينتشر الفساد والفقر؛ حيث يزداد الغني غنًى ويزداد الفقير فقرًا.



أيها الحكام.. اعدلوا حتى تنعموا بالأمن والنوم:

ولا أحسب أن حاكمًا يستطيع أن ينام في بيتٍ أو أن ينزل إلى الشارع أو يمشي في الأسواق أو حتى يدخل بيتًا من بيوت الله دون حراسة، مع أن هذه الحراسة لا تغني عنه فتيلاً، وأعظم من تلك الحراسة لو اتخذ من العدل حراسًا، كما يروى عن "يزدجرد" آخر ملوك فارس: أنه بعث رسولاً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمره أن ينظر في شمائله، فلما دخل المدينة قال: أين ملككم؟ قالوا: ليس لنا ملك، لنا أمير خرج، فخرج الرجل في أثره، فوجده نائمًا في الشمس، ودرته تحت رأسه، وقد عرق جبينه حتى ابتلت منه الأرض، فلما رآه على حالته قال: عدلت فأمنت فنمت، وصاحبنا جار فخاف فسهر، أشهد أن الدين دينكم، ولولا أني رسول لأسلمت، وسأعود- إن شاء الله.



أيها الحكام العرب والمسلمون:

أما آن لكم أن تكفوا عن الظلم وعن الفساد وأن تضربوا على يد المفسدين، وأن تتركوا لليد الطاهرة، والقلوب المؤمنة، والنفوس المخلصة للوطن والشعب، أن تسير في طريقها للبناء، وأن تأخذ سبيلها للنهوض بهذا البلد الذي خيم عليه الظلم عقودًا.



أيها الظالمون والمفسدون الخير لكم أن تسمعوا لنصحنا قبل فوات الأوان، وقبل أن تحل ساعة الندم ولحظة العقاب، التي لا ينفع معها ندم، ولن يدفع عنكم غضب الله ما جمعتم من مال ظلمًا وعدوانًا، ولن ترد عنكم قوتكم ولا جندكم غضبة الشعوب، ولن يحميكم الغرب الذي تركنون إليه، وسينفض يده منكم ولسان حاله يقول إني أرى ما لا ترون.



قبل أن تحل هذه الساعة استمعوا إلى صوت العقلاء من شعوبكم الذين يخلصون لكم النصح، واحذروا المنافقين الذين يزينون لكم سوء أعمالكم، ويدفعونكم إلى العدوان على شعوبكم، وتعاملوا بلغة الحوار بدلاً من لغة العصا الأمنية الغليظة، والتي لا تؤدي إلا إلى الفوضى، وإذا أردتم الاستقرار الحقيقي، والأمن التام، والتنمية الشاملة، والحرية والعدالة للجميع، فلن يكون ذلك إلا في ظلِّ المنهج الإسلامي الوسطي المعتدل، الذي يدعو إلى الحرية والمساواة والعدل.. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود).

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

حاجة البشرية إلى عدل الإسلام

Posted by حسام خليل in

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه، وبعد.

لقد بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإقامة العدل بين الناس، يقول تعـالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..﴾- أي العدل- (الحديد: من الآية 25)، فالعدل كالميزان لا يختل أبدًا وإنما يكون الخلل من الناس؛ ولذلك فالعدل علاجٌ لما يصيب الإنسان من سلب حقوقه بالديكتاتورية والظلم، والعدل أمان للمجتمعات من الدمار والهلاك فيه تزول صور الاستبداد والفساد المهلكة، وهو ضمان للحياة المطمئنة الكريمة للشعوب؛ حيث لا وجودَ للاضطهاد؛ ولذلك نجد أن كل مناحي التشريع مرتبطة بتحقيق العدل في نظام الإدارة والحكم والقضاء والأسرة والاقتصاد والاجتماع والسلوك.

مفهوم العدل في الإسلام:

لقد أرسى الإسلام المعنى الحقيقي للعدل في جوانبه الثلاثة، وهي إعطاء كل ذي حقِّ حقه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ودون أي تمييز، وبذلك تختفي الحالات الكريهة التي تظهر لغياب العدل في المجتمعات، وهذه الجوانب هي دوائر متداخلة، فلا يصح إعطاء كل ذي حقٍّ حقه في الخير فقط، وليس في العقاب وملاحقة الجناة المخربين!!، ولا يمكن تحقيق مبدأ إن خيرًا فخير وإن شراً فشر، بترك الكبير والشريف وتطبيقه فقط على الضعيف والمقهور والعاجز، كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إنما أهلك مَن كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد".

وبهذا المفهوم وعلى مرِّ الزمان جاء الأنبياء والرسل يدفعون الظلم عن الناس ويمنعون ضرره وينشرون العدل، فأول جريمةٍ على الأرض وأول معصيةٍ في الوجود أودت بحياة أول إنسان بريء على وجه الأرض.

والعدل المطلق هو الذي استأثر به الله تعالى فلا يفلت الظالم من عقاب جرائمه وإن أفلت منها في الدنيا، فإنَّ الله يمهل ولا يُهمل، وكذلك فالعادل لا يُحرم من أجره شيء والذي أعدَّه الله له، جزاء تحمله ولقاء صبره، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (الأنبياء: من الآية 47) بل ذكر الميزان للحكم في الدنيا في قصة ذي القرنين ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)﴾ (الكهف).

العدل سبب سعادة الإنسان في الحياة:

فما أحوج الإنسان إلى أن ينعم بالعدل في الحياة، سواء كان في علاقته مع نفسه أو مع ربه أو مع الناس، فعلى مستوى نفسه: هو يوازن بين العقل والغضب والشهوة سواء كان العدل ذاتيًّا نابعًا من كيانه أو أثرًا من الخارج كعلم أو معرفة أو إدراك أو اقتداء، وتتـجلى صور العـدل مع نفـسه في عدة صور مثل: العدل بين الجسد والروح، والعدل بين العقل والفكر، والعدل بين العمل والكسل، والعدل في الأخذ والعطاء، وعلى مستوى الناس بالعدل في الحقوق والواجـبات، وفي البيع والـشراء، والحكم والقضاء، وفي الشهادة والأمانات، وفي المنع والعطاء، أيًّا كانت مسئوليته في الحياة، طلبًا لرضا الله- عزَّ وجلَّ- وأجره وثوابه.

وبذلك فالعدل هو مفتاح استقرار واطمئنان المجتمعات، وحافز على العمل والإنتاج، ومصدر لنماء العمران وكثرة الخيرات والأرزاق، وزرع الثقة بين أفراد الوطن الواحد، يقول ابن خلدون: "اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذٍ من أن غايتها ومصيرها انتهابها بين أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب والعمران"؛ ولذلك فالبديل في المجتمع- إذا اختفى العدل- المشاحنات والفوضى والاضطراب، مثل: غضبة الشعوب المحتلة ضد محتليها، أو ثورات الشعوب لرفع الظلم الواقع عليها من حكامها بالغلاء والبطالة والسرقات والاضطهاد.

وعلى العكس، ففي ظلال العدل عاشت شعوب الأرض تنعم بثماره، التي أعلنها مندوب الغرب للفاروق عمر: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر"، وها هو عمر الحاكم العادل بينما كان يـمرُّ ليلاً عـلى عـادته ليتفـقد أحـوال الرعـية فـرأى رجـلاً وامرأةً عـلى فاحشةٍ فجمع الناس وخطب فيهم: "ما قولكم أيها الناس، في رجلٍ وامرأة، رآهما أمير المؤمنين على فاحشة؟".. فردَّ علي بن أبي طالب: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يُجلد القذف شأنه شأن سائر المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:4) فتوقف عمر عن ذكرهما لعجزه عن الشهود.

وما قصة درع الخليفة علي بن أبي طالب، مع النصراني الذي اختصمه عند شريح القاضي، الذي قضى بالدرع للنصراني، الذي انصرف ثم عاد بعد عدة خطوات يقول: أما أني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه فيقضي لي عليه "الدرع درعك يا أمير المؤمنين".

إن البشرية اليوم في حاجةٍ لترى من أمتنا هذا العدل واقعًا تراه كما لمسته بالأمس، وما ذلك بالصعب عليها، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يبشرها بجزاء العادلين: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن المقسطين (العادلين) عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن- وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وولوا"، وإذا كان الموت آتٍ فليحذر كلُّ حاكمٍ أن يكون غاشًّا لرعيته لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم تموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة" (متفق عليه).

العدل طريق الاعتدال:

وإن مَن يتأمل بعمق وصفاء، يجد ذلك الرابط القوي والتلازم المستمر بين العدل والاعتدال؛ إذ إنَّ العدلَ وممارساته حين يسود، يؤدي إلى الاعتدال في المواقف والسلوك والمزاج ومواجهة الأخطار، ويصبح معه منهج الوسطية المنشود الذي هو فضيلة بين رذيلتين.

وقد كان للعدل شأنٌ لدى الحكماء في التاريخ، حين جُعل أساسًا للملك والحكم والسياسة؛ حيث قيل إن (العدل أساس الملك)، وما ذلك إلا لقيمة العدل وتأثيره في النفس والمجتمع وحياة البشر، وفي منهج الحكام والساسة في إدارة البلاد وقضاء مصالح العباد (وهذا هو لبُّ السياسة).

والعدل حين يسود تضيق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويسهل تدارك الفقر ومعالجة البطالة ومحاربة الفساد، وتقبل الرأي الآخر؛ لأن أهم مقومات العدل الذي هو سبب الاعتدال وعدم التطرف، هو إحساس الإنسان بهويته وكيانه ومستقبله، وهو يرفض ما يفرض عليه من تلون أو تلاعب، وصَدَقَ عبد الله بن رواحة- رائد كل مَن يريد أن يتمسك بهويته الإسلامية- يوم أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل أن يجبي الخراج المفروض على اليهود آنذاك على أراضيهم، وخاف اليهود من أن يظلمهم عبد الله بن رواحة، فالتفت إليهم عبد الله وقال: والله إنكم لأبغض خلق الله إليَّ، ولكن هذا لا يحملني على ألا أعدل بينكم.. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا﴾ (المائدة: من الآية8)

الظلم سبب الفوضى العالمية:

أيها العالم بأسره كن عادلاً وقف ضد الصهاينة المجرمين الظلمة المدعومين من الإدارة الأمريكية في ارتكاب، ويا أيتها الأمة، ويا حكام أمتنا، يا شعوبنا: ارجعوا إلى الله واعدلوا في كلٍّ، وليكن منكم حرصٌ على أن تحبوا لقاء الله ومعكم صحائف عدل بينكم وبين أنفسكم، وبينكم وبين الناس، وقبل ذلك بينكم وبين ربكم.

ولننظر جميعًا كيف أن المشروع الصهيوني الأمريكي يكشف في كل يومٍ عن جورٍ وظلمٍ ونفاقٍ من لون جديد، فبينما يعلن عن الدعوة للديمقراطية والعدل، ويعلن عن حقِّ الشعوب في الدفاع عن نفسها ومقاومة المستعمر لأراضيها؛ فإنه ينكر هذا الحق على الشعوب العربية والإسلامية، وعلى الأخص شعب فلسطين.

وبينما يتصدَّى الفيتو الأمريكي لكل قرارٍ يدين الاعتداءات والمجازر الصهيونية اليومية، فإنه لا يجد غضاضةً في وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ولا نسمع له صوتًا عندما ينادي البعض بتقديم القادة الصهاينة لمحكمة الجنايات الدولية، وهم الذين ارتكبوا جرائمهم على مرأى ومسمع من العالم أجمع!.

وبينما تقوم الدنيا ولا تقعد في إدانةٍ أية عملية يسقط فيها قتيل غربي أو يهودي؛ فإن هؤلاء يصمتون صمت القبور إذا كان القتلى من جرائم صهيونية وحشية أو إرهابية تخريبية، تودي بالضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، كما يحدث في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة، وفي أفغانستان والعراق وغيرها، بينما عدل الله يقضي بأنه ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).. هذا ميزان الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن الإخوان المسلمين يؤكدون أن الفوضى والاضطراب في العالم الآن يرجع السبب فيهما إلى الظلم، وهذه المعايير الظالمة منذ أن استأثرت الدول الكبرى بحقِّ الفيتو مصرة على ضياع حقوق غيرهم من الشعوب والدول بلا حسيب ولا رقيب، وهذا الانحياز السافر الظالم، هو سبب كل الحروب التي تدور رحاها على امتداد الكرة الأرضية، ونؤكد كذلك أنه لا استقرارَ في منطقتنا العربية والإسلامية في ظلِّ وجود الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين أرض العروبة والإسلام، ولا أمانَ في ظلِّ هذا الظلم الدولي الذي يمالئ الظالم على ظلمه، ويرفض رد الحقوق لأصحابها، ولا يقرن شعارات العدالة الإنسانية بالتطبيقات العملية على الأرض.

العدل سبب استقرار البشرية:

إن البشرية اليوم في أمسِّ الحاجة إلى العدل الذي أقامه الإسلام على الأرض؛ لإسعاد الدنيا وتصحيح مسار البشر، وإنه لا سبيلَ لاستقرار العالم إلا بالرجوع إلى العدل على كافة المستويات عالميًّا ودوليًّا وإقليميًّا ووطنيًّا؛ فرديًّا وجماعيًّا من المساواة والحرية والعدالة والإقرار بالحقوق لأصحابها، فهل يحسن العقلاء في هذا العالم من الحكام ومن السياسيين والمفكرين تلقي هذه الدعوة لاستعادة العدل الغائب، وإقامته في ربوع المعمورة؟ ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية 25).

وهل يفتح عقلاء الدنيا عقولهم وقلوبهم ويتخلصوا من أي ميلٍ أو هوى ليخرجوا البشرية من هذا الاضطراب والفساد العالمي الممسك بخناق العباد، فلا تزال دعوة العدل معلنةً سبيل النجاة: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية 58)، فالحكم بالعدل "بين الناس" لأنه عدل شامل "بين الناس" جميعًا، لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلاً مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما حق لكل إنسان بوصفه "إنسانًا".

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد؛ والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

أمة واحدة.. في مواجهة الفتنة

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

جريمة ضد الوطن:

لا ريب عند العقلاء أن الجريمة المروِّعة في مدينة الإسكندرية ليست موجهةً إلى طائفةٍ دون طائفة في هذا الوطن العزيز، وليست اعتداءً على إخواننا النصارى شركاء الوطن والدم والتاريخ فحسب، إنما هي اعتداء آثم على الوحدة الوطنية والعيش المشترك وعلى حرمة الوطن وأمنه واستقراره الذي يجب على الجميع أن يحموه بأرواحهم، صحيح أن المجرمين ربما قصدوا من أجل إثارة الفتنة استهداف إخواننا المسيحيين بالأساس، لكن اختلطت فيه دماء المواطنين من المسلمين والمسيحيين، وقصد المجرمون الذين ارتكبوا هذا الإثم أو من وقفوا وراءه النَّيل من وحدة هذا الوطن العظيم، تلك الوحدة النموذجية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، والتي صانها الإسلام على مدار القرون، باعتبار جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية.. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء)، واعتبر العدوانَ على أي نفس بشرية عدوانًا على البشرية كلها.. ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).

الدين هو الضمانة الحقيقية

من نافلة القول أن نذكر بأن الرسالات السماوية- وفي مقدمتها الإسلام العظيم الذي ختم الله به رسالات السماء- قد دعت إلى التعايش والأخوة بين البشر، وتميز الإسلام بأنه حمى هذه الأخوَّة الإنسانية وبخاصةٍ مع أهل الكتاب، واختص النصارى بأنهم أقرب مودة إلى المسلمين ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 82)، بل رفض أن يكون اختلافُ الدين سببًا للعداء بين أبناء المجتمع، ودعا إلى اعتماد البر والإحسان قبل العدل صيغةً للتعامل بين المواطنين، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).

بل دعا إلى ضرورة اختيار وتحرِّي أحسن القول في المناقشة، والجدال معهم برغم اختلاف العقائد، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت).

واعتبر الاعتداء على حرمة الدماء غير المسلمة في المجتمع من أعظم الجنايات التي تقطع الجاني عن رحمة الله، فأخرج البخاري في باب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى، في باب: مَا جَاءَ فِي إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ يُوجِبُ الْقَتْلَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةَ عَامٍ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَقْتُلُ نَفْسًا مُعَاهَدَةً إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَرَائِحَتَهَا أَنْ يَجِدَهَا".

لهذا فإن من أكبر الخطأ تصور أن هذه الجريمة التي تستنكرها الأديان وتستشنعها الإنسانية والتي نالت من المسجد والكنيسة المتجاورين ومن المسلمين والمسيحيين الذين وُجدوا في المنطقة؛ من أكبر الخطأ تصور أنه قد ارتكبها أحد له علاقة بصحيح الدين، وإنما يجب النظر إلى مرتكبيها باعتبارهم أيادي وأدوات مجرمة لجهات معادية تريد الإفساد في الأرض، والعبث بوحدة هذا الوطن وسلامه الاجتماعي، والدفع باتجاه إثارة فتنة طائفية تهلك البلاد والعباد.

هذا ما ينبغي على العقلاء التنبه إليه والتحذير منه، وتأكيد رفضه بكل قوة، فالدين هو أعظم الدوافع لحماية الأرواح وعدم الاعتداء عليها.

ومن ثم تكون المهمة العظيمة التي يجب أن تتحملها أجهزة الأمن أن يتم التعامل مع الجريمة النكراء بمنتهى السرعة والدقة والشفافية والوضوح، في كشف ملابساتها، وتقديم المجرمين الحقيقيين الذين وقفوا وراءها، أيًّا ما كان دينهم أو وطنهم، إلى القضاء الشامخ العادل؛ حماية لوحدة الأمة ودرءًا لمخاطر الفتنة.

حذار من الوقوع في الفخ

إن من الأهمية بمكان أن يتحلى الجميع بالحكمة وأن يتداعى العقلاء إلى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء دعوات الإثارة، والنعرات الطائفية الضيقة، وردات الفعل غير العاقلة بعد غضب الصدمة الأولى الذي قد نتفهم أسبابه، وأن يتم النظر إلى مصلحة الوطن باعتبارها العنوان الأبرز، وتغليبها على أية مصالح فئوية أو طائفية، وإن من أعظم الخطر أن تستدرج الأمة للوقوع في الفخ الذي نصبه مرتكبو الجريمة من خلال اتهام عموم المسلمين بارتكاب الجريمة، أو أن يلعب الكارهون للمشروع الإسلامي بالنار من خلال استثمار الأجواء المشحونة لمحاربة مظاهر التدين، والتحريض على المتدينين، والدعوة إلى الخلاص من الالتزام الديني، والطعن في تعاليم الدين، وفي منظومته الأخلاقية، فإن ذلك يستفز جماهير الأمة المعروفة بالتدين، ويعطي وقودًا مغذيًا للعنف والتطرف، ويمهد الأجواء لاستغلال القوى المعادية لطلب التدخل في شئون الأمة وتنصيب نفسها مدافعًا عن فئة من شعب مصر المتوحد، على النحو المرفوض الذي تحاوله الإدارة الأمريكية المتصهينة.

دروس مهمة

إن هذه الجريمة التي وحدت المصريين على اختلاف طوائفهم قد كشفت عن دروس مهمة يجب ألا تغيب عن بال المخلصين لهذا الوطن:

* إننا يجب ألا نفصل بين هذه الجريمة المنكرة، وبين مخططات أعداء الأمة لإثارة الفتنة في البلاد، كما اعترف بذلك رئيس المخابرات الصهيونية السابق، مما يوجب السعي الحثيث للحفاظ على وحدة الأمة، وتحصينها ضد كل محاولات الاختراق.

* إننا يجب ألا نفصل بين هذه الجريمة، وبين ما يجري من فتن تستهدف وحدة الأمة، وتمزيق المنطقة، وتقسيم دولها، وإشعال الحروب العرقية والطائفية والدينية بين أبنائها، كما هو الحال في العراق والصومال وجنوب السودان ودارفور، وكما هو الحاصل في اليمن وفي لبنان، وكما يجري في نيجيريا، وغيرها من الدول العربية والإفريقية، على ما هو معروف من القاعدة الاستعمارية: فرق تسد.

الاستبداد والظلم يهيئ الأجواء للاستجابة لمخططات إثارة الفتنة

إن الإقرار بدور الجهات الخارجية المعادية في إثارة الفتنة يجب ألا يشغلنا عن الإقرار بأن هذه الجهات في الأساس تستغل في تحقيق أهدافها الخبيثة تردي الأحوال السياسية الفاسدة، والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية المتدنية للمواطنين، وتستغل تزوير الانتخابات وشيوع ثقافة البلطجة، وإهدار الدولة لقيمة القانون والدستور، وتلاعب النظام الحاكم بالأحكام القضائية، وسد منافذ التعبير عن الرأي وإغلاق أبواب المشاركة أمام أبناء الوطن في حمل همومه منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا بتأميم النقابات والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني وتعويقها عن تقديم الخدمات لشعبنا بالإضافة لاستمرار النظام في تغليب الأمن السياسي لحماية النظام على الأمن القومي لحماية الأمة، وإغراق الأمة بالشهوات، ومحاربة التدين، وعدم الاعتناء بملء الفراغ الفكري والثقافي للشباب، مما يسهل عليه الانزلاق في الاستجابة لهذه المخططات الأثيمة، أو على الأقل يدفعه للسلبية واللا مبالاة وضعف الانتماء للوطن الذي يحيا فيه.

في ظل الاستبداد يتحول المجتمع إلى جزر بشرية متصارعة، تشيع بينها الأنانيات الفردية، وتتمزق فيها شبكة العلاقات الاجتماعية، وتتعطل فعالياتُ القيم والأخلاق والرسالة في الحياة، وتموت معنويات الأمة، فلا تتحرك بقوة ويقظة في مواجهة عدو تنسى أنه عدوُّها الوحيد، كما أن الاستبدادَ والظلمَ يقضي على القُدُراتِ العقليةِ والنفسية للأمة، ويفلُّ من إرادتها وعزمها في التصدي لمحاولات الاختراق وإثارة الفتنة، ويُحوِّل الناسَ إلى شخصياتٍ ضعيفةٍ تهتم بذواتها، ولو على حساب أوطانها، فلا هم يستطيعون المدافعةَ عن وطنهم، ولا هم يرغبون في ذلك، ومن هنا يتهدد الأمن القومي للأمة، ويطمع فيها أعداؤها.

قد لا يموت الإنسان في ظل الاستبداد، ولكنه يعيش بإنسانية مفقودة، وشخصية مشوَّهة، وأخلاق مرذولة، وبَلادة وسلبية ممقوتة؛ ما يشجِّع أعداء الأمة على استثمار ذلك في النَّيل منها واختراق حصونها.

ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى هلاك الأمة حين ترضي بالظلم وتسكت عليه، فيقول: "إِذَا رَأَيْتُ أُمَّتِي تَهَابُ الْظَالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ" (رواه أحمد)، وقال أيضًا: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلاَ يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ" (رواه أحمد).

ويشير إلى ذلك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز, فيقول: "إن الله لا يؤاخذ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، فإذا ظهرت المعاصي فلم ينكروها استحقوا العقوبة جميعًا"، وصدق الله العظيم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25).

والنتيجة الطبيعية لهذا الظلم الحاصل أن يضعف انتماء الكثرة المظلومة فتقعد عن مقاومة أي عدو خارجي يقصد البلاد بسوء؛ ذلك أنه لن يكون لدى البعض عدوٌّ مشتركٌ للجميع.

حفظ الله مصرنا العزيزة موحَّدة قوية عزيزة، وحماها من عبث العابثين، ورد عنها كيد المجرمين، ووقاها شر دعاة الفتنة والمفسدين، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

والله أكبر ولله الحمد.. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تجزئة السودان ووحدة الأمة

Posted by حسام خليل in

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه.. وبعد؛

رياح التقسيم تهب على العالم العربي الإسلامي

أيام قليلة، ويبدأ الاستفتاء على انفصال جنوب السودان عن شماله، في سابقةٍ لم تحدث من قبل، وتحت وطأة الاتفاقيات والعقوبات الدولية التي تمارسها أمريكا والصهيونية العالمية؛ يُراد لهذه الدولة الجديدة أن تنشأ، كما قامت دولة الصهاينة من قبل على تراب أهل فلسطين أرض العروبة والإسلام؛ لتكون خنجرًا في قلب الأمة العربية والإسلامية، وفاصلاً بين شرق العالم الإسلامي وغربه، وكذلك دولة الجنوب هذه يُراد لها أن تفصل العالم العربي والإسلامي عن محيطه الإفريقي؛ لتكتمل خطة حصار النفوذ العربي الإسلامي، ومنع امتداده جنوبًا؛ حيث مراكز السيطرة الغربية، وحركات التنصير المستمرة لأبناء إفريقيا.

إن جميع الأطراف المعادية للشعوب العربية والإسلامية في سباقٍ محموم، فأمريكا تلقي بكل ثقلها لإنجاز المهمة وتحقيق الانفصال، والرئيس الأمريكي يضغط على الزعماء العرب والأفارقة؛ لإنجاح السياسة الأمريكية الظالمة في السودان، في الوقت الذي تعاني فيه أمريكا من الفشل في أكثر من مكان في العالم، وكانت الاستجابة الفورية للضغوط الأمريكية، والتي تمثلت في الزيارة الخاطفة التي قام بها رؤساء كلٍّ من مصر وليبيا وموريتانيا للسودان، والتي لا يشك أحد في أنها لم تكن للحفاظ على الوحدة بل كانت لمباركة الانفصال وتنفيذ التعليمات الأمريكية، بحجة عدم تعريض السودان للخطر، وتقليل الخسائر، فقد سبق للرئيس أوباما أن توعد بمذابح يذهب ضحيتها الملايين إذا لم يتم الاستفتاء في موعده.

أما الصهاينة فقد نشرت صحيفة (هاآرتس) مؤخرًا أن تل أبيب تستعد لفتح سفارة جديدة لها في جنوب السودان بعد انفصاله، وأن الجنوب السوداني سوف يصبح دولةً مستقلة، وصديقة مُقرَّبة إلى الكيان الصهيوني، في حين تناقلت الأخبار وصول حشد كبير من الخبراء الصهاينة في مختلف المجالات (نحو ألف خبير) إلى "جوبا" عاصمة الجنوب، إضافةً إلى جسر جوي لنقل العتاد والسلاح من تل أبيب إلى جوبا!!.

إن رياح التقسيم يُراد لها ألا تتوقف عند جنوب السودان، وإنما يسعى الأمريكان والصهاينة وأعوانهم لتشمل (دارفور) في الغرب، والتي بدأت بشائرها الآن في القتال الدائر بين المتمردين وقوات شمال السودان، ثم تبدأ في الشرق (البجا) ليتحول السودان بعد ذلك إلى أربع دويلات، فأحلام إسرائيل الكبرى ما زالت لم تتحقق حتى الآن، وتقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات صغيرة ما زال حلمًا في أجندة الإدارة الأمريكية المتصهينة.

لقد كانت الرغبة في تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات متناحرة (كردية) في الشمال، (شيعية) في الجنوب، و(سنية) في الوسط، وراء تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي كشرطٍ لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وما حدث في السودان يدور الآن في اليمن، ومنذ سنوات في فلسطين والمحاولات تجري على قدم وساق في لبنان، فمأساة الجنوب السوداني كارثة قد تتكرر في دول أخرى تنتظر دورها في الانفصال والتقسيم.

أين الدفاع العربي المشترك؟

لعل الكثير من العرب من المحيط إلى الخليج يتساءلون اليوم في ظل هذه الأحداث الجسام؛ ماذا نحن فاعلون؟! وأين اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟ باعتبار أن إحياء هذه الاتفاقية هو واجب الوقت الآن لضمان سلامة الدول العربية وردع أي عدوان عليها، ولكن يبدو أيضًا أن هذه الاتفاقية قد كُتب عليها ألا ترى النور، وأن تظل حبرًا على ورق؛ لأن الأنظمة العربية ليست في أولوياتها الدفاع المشترك، أو حماية الأوطان من العدوان الخارجي؛ إنما أولوياتهم هي الحفاظ على كراسيهم وعروشهم من الشعوب، ودعم ما يسمونه "الاستقرار"، فالاستقرار لديهم لا يعني سوى استقرار الكراسي والمناصب لهم ولأبنائهم مدى الحياة.

لقد أصبحت الجيوش العربية الآن كأسود الغابة رابضة في الأقفاص، لا تجد عدوًّا تقاتله؛ لأنها لا تعرف عدوها الحقيقي فالعقيدة القتالية غير واضحة، ومن هم الأعداء الآن أصبح سرًّا؛ لكن الذي يروج الآن أن الصهاينة والأمريكان ليسوا من الأعداء، ولم تعد هناك إرادة سياسية لإحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ومن ثَمَّ لم نسمع عن اجتماع وزراء الدفاع العرب منذ توقيع الاتفاقية، بينما نجد النشاط يدُب في أوصال وزراء الداخلية والإعلام العرب، ونرى اجتماعاتهم تتم بصورة منتظمة وبتعاون يثير الدهشة؛ لأن اجتماعاتهم غالبًا ما تكون لقمع وقهر الشعوب، وليس لحفظ أمنها وسلامتها، وهذا هو التعاون الوحيد الفاعل بين الأنظمة العربية.

خطورة الانفصال على الأمن القومي المصري

إذا كانت فلسطين تمثِّل العمق الإستراتيجي للأمن القومي المصري من ناحية الشرق، فإن السودان هو القيمة الإستراتيجية الكبرى لمصر من ناحية الجنوب؛ لأنه الامتداد الطبيعي والعمق الجغرافي لها؛ حيث تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والحياة، وسوف يصبح الجنوب مرتعًا للصهاينة في حال انفصاله؛ لأن قيام دولة في الجنوب معناه تمكين الكيان الصهيوني من التواجد هناك، بما يعني تحويل جزء من امتداد الأمن القومي المصري بعيدًا عن السيطرة المصرية، ومركزًا للمؤامرات الأمريكية والصهيونية ضد المنطقة بأسرها، وإن شمال السودان الذي يعد نقطة التماس المباشر مع الحدود المصرية مهددٌ بالتقسيم أيضًا؛ حيث إن أمريكا والصهاينة يخططان لإنشاء دولة النوبة بين شمال السودان وجنوب مصر، ويلعب الأمريكان الآن بهذه الورقة كما يفعلون بورقة أقباط المهجر، من أجل الضغط على النظام المصري للانصياع للتعليمات الأمريكية.

والخطر الأكبر يأتي الآن من التهديد لمجرى نهر النيل، شريان الحياة في مصر، التي تعاني من الندرة المائية، وتعيش تحت خطر الفقر المائي نظرًا لزيادة عدد السكان مع ثبات كمية المياه الواردة إلى مصر منذ اتفاقية عام 1959م (55 مليار متر مكعب)، وهي مطالبة بتوطيد علاقاتها مع دول حوض النيل خلال الفترة المقبلة؛ ولكن أنَّى لها ذلك، وقد ظهر لاعب جديد هو دولة الجنوب- والذي سيكون عضوًا في دول حوض النيل- والذي سترابط فيه أمريكا والصهاينة، ومن ثم فقد تلاقي مصر صعوبة كبيرة في التفاوض المستقبلي حول زيادة حصتها من المياه.

ولما كان الجنوب سيطالب بنصيبه من المياه من حصة السودان بعد الانفصال، فإن السودان سيجد نفسه أمام كارثة مائية تدعوه إلى مراجعة اتفاقية 1959م بين مصر والسودان حول حصة الدولتين في مياه النيل، وسودان ما بعد التقسيم سوف يتعامل مع مصر بمعطيات مختلفة تمامًا، لعل أهمها الدعوة إلى خفض حصة مصر من مياه النيل؛ حيث إن حصة مصر من المياه تأتي بالكامل عبر الأراضي السودانية من خلال النيلين الأبيض والأزرق، والعمل في قناة "جونجلي" التي تم الاتفاق على شقها في الجنوب السوداني؛ لتوفير قرابة 5 مليارات متر مكعب من المياه، وبذلك سوف تخسر مصر حصتها من المياه التي كانت تتقاسمها مع السودان.

الأمل في الشعوب بعد أن تخاذلت الأنظمة

إن الشعوب العربية والإسلامية هي أساس بنيان الدول، وأبناؤها هم الجنود الأوفياء في الخطوب والملمات، رغم المحاولات المستميتة لطمس هويتها، وتعويقها عن أداء دورها، وحجب وتزوير إرادتها.

وإذا كانت الأنظمة قد أسلمت قيادها لأمريكا، وسارت وراءها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، ولو دخلت أمريكا جحر ضبٍّ لدخلت الأنظمة وراءها، ومن ثم فقدت عزتها، وكرامتها وأهانت شعوبها حينما تخلت عن إرادتها طوعًا لعدوها وعدو أمتها.

فإن الأمل الآن معقود- بعد الله- على الشعوب أن تهب وتستيقظ، وقد بدأت الشعوب العربية والإسلامية تدرك أن قيم ومبادئ الإسلام هي البديل الصحيح لكل ما سواها من الدعوات التي عانت البشرية منها، وصارت الأمة على قدر كبير من الوعي بالأحداث.

ولقد انكشفت أساليب الخداع والتزوير والغش والتدليس التي مارستها وتمارسها الأنظمة كل يوم، ووضعت الشعوب أقدامها على الطريق؛ لاسترداد عزتها وكرامتها وثقتها بنفسها، وما نراه على أرض أفغانستان والعراق وفلسطين يؤكد أن الشعوب العربية الإسلامية هي شعوب حية، وأن إرادة هذه الشعوب أقوى من كل المؤامرات والمساومات، فالشعوب الحرة الصادقة هي التي ترسم طريق العزة والحياة الكريمة، وتصر على نيل حقوقها وانتزاع حريتها.

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

فإلى الشعوب العربية والإسلامية نوجه نداءنا أن هلموا إلى العمل بهمة عالية ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة)، ولننتظر موعود الله بالنصر والتمكين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)﴾ (الأنبياء)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر).. والله أكبر ولله الحمد.

أمتنا وقضية فلسطين.. بين الواقع والأمل

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن والاه.. وبعد؛

لا عبودية لغير الله

لقد كرَّم الله- عزَّ وجلَّ- الإنسان على سائر خلقه تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 70).

وتنبع كرامة الإنسان من عبوديته لله وحده لا شريك له، والإنسان يلحق به الذل والهوان ويهبط بإنسانيته وقدره حينما تكون عبوديته لغير الله تعالى، والمنهج الإسلامي عنى بالإنسان وكرَّمه على سائر المخلوقات، وجاء القرآن الكريم ليحقق السعادة والأمن والاستقرار للإنسان في الدنيا والفوز النجاة في الآخرة ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (طه: من الآية 2).

كما أن الإنسان المؤمن الصالح إذا وُجد وُجدت معه أسباب النجاح جميعًا، وإن كثيرًا مما نعانيه من أزمات ومشكلات في بلداننا الإسلامية ما هو إلا نتيجة لعدم وجود هذا الإنسان الصالح.

وما يفعله أعداء الأمة بها لا يتحقق إلا بغفلتها وقعودها وخلودها إلى الأرض ولا يستطيع الأعداء أن ينتصروا عليها ما دامت تعبد الله بحق، وتأخذ بكل الأسباب التي أمرها بها ربها سبحانه.

هذا قانون الله وسنته في خلقه، لقد أطلق القرآن فكرة (ظلم النفس) و(ظالمي أنفسهم).

فقال لأهل "أُحد" حين أصابهم القرح وقالوا: أنَّى هذا.. فقال الله لهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 166)، ولم يقل إن ما أصابكم من قوة أعدائكم وحذقهم، وإنما قال لهم: من خطئكم.

وإن آدم أبو البشر جميعًا لم يقل خدعني الشيطان حين أخطأ وأكل من الشجرة، وإنما قال آدم وزوجه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ (الأعراف: من الآية 23)، وبهذا الاعتراف المبين استأهلا الخلافة في الأرض.

إن القابلية للاستعمار والاستعباد والخداع ليست من شيم المسلمين، فالعبودية لا تكون إلا لله وحده، وبذلك لا تستطيع قوى الأرض ولو اجتمعت أن تفرض علينا عبادتها من دون الله رب العالمين، وقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرًا "مَن أعطى الذلةَ من نفسه طائعًا غير مكره فليس منَّا".

لقد جاء الإسلام لتحرير الإنسانية كلها من كل أشكال العبودية لغير الله، وجعل التوحيد شعار التحرير "لا إله إلا الله" فلا ملوكَ ولا قياصرةَ ولا أكاسرةَ ولا فراعنةَ ولا جبابرة، فهو سبحانه الرب والملك والإله.

فالحرية هبة إلهية وضرورة إنسانية وإيمانية ليس لأنها سبب في تطوير الأمم ورقيها فقط، وإنما لكونها غاية التوحيد؛ ولأنها حقٌّ إنساني يولد مع الإنسان حين يولد فلا معنى للإنسانية بدونها.

إن للعبودية دورًا مؤثرًا في طمس الطبيعة الإنسانية وانعدام المروءة والشهامة واستمرار الذل والدناءة؛ حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت، وهو ما يجعل الشعوب أكثر قابليةً للخضوع والخنوع للطغاة.

فتن ووهن وغثائية.. حتى تعود الأمة إلى ربها

في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تداعي الأمم على المسلمين كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وأن الأمر ليس مرجعه قلة عدد المسلمين بل مرجعه إلى الوهن والغثائية الراجع إلى حبِّ الدنيا وكراهية الموت، فإنَّ الناظر إلى الحديث يرى التعبير بكلمة "الأكلة" مثل القتلة فهم ليسوا جوعى بالضرورة بل هم مجرمو أكل مثل مجرمي القتل تمامًا "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.."، وقصعة العالم الإسلامي كبيرة، وبها ثروات ضخمة تُغرِي كل طامع في الانقضاض عليها، وخاصةً في غياب الحراس الذين ملأ الوهن قلوبهم، "ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم..."، وقد رأيناه "وليقذفن في قلوبكم الوهن" نعوذ بالله منه، ومن تعريفه- كما وصف الصادق المصدوق- "حب الدنيا وكراهية الموت".

فكان من أسباب هذا الهوان ترك الجهاد والتخلي عن صناعة القوة التي تُرهب العدو، والتعلُّق بالدنيا والفرح والرضا بحصول ملذاتها من مطعمٍ ومسكنٍ، وقد عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يُصان به الدين، وهو أول مقاصد الشرع.

يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).

مؤامرات تفكيك الأمة وتفتيتها بلغت ذروتها

فجنوب السودان يوشك أن ينفصل عن شماله، ودولة الجنوب المزعومة أصبح لها نشيدٌ إنجليزي اللغة وعلمٌ عليه الخنزير رمزًا له، وتم اختيار القصر الذي سوف يجلس فيه "سلفاكير" الرئيس المُتوقَّع لدولة الجنوب رغم أن الاستفتاء لم يبدأ بعد.

والحِراك الجنوبي في اليمن يُكثِّف أنشطته، ويعتبر الوجود الشمالي احتلالاً، ولقد رأينا إقليم كردستان العراق يطالب بتقرير المصير والاستقلال واعتبار محافظة كركوك (الغنية بالنفط) محافظة كردية الهوية والانتماء، ولم يعترض عليه أحدٌ من القيادات العراقية؛ لأن اقتراحه كان بمباركة أمريكية، وعلى أسس طائفية فهذه الفكرة نبعت من الفيدرالية التي نصَّ عليها دستور "بريمر" وحلفائه من العراقيين كانت المقدمة لإقامة دولة "شيعية" في الجنوب و"كردية" في الشمال و"سنية" في الوسط، وفي لبنان بلغت المؤامرة ذروتها، وكانت المحكمة الدولية محاولة لتجريم "حزب الله" كمقدمة لتجريم سورية وبما يُشرِّع عدوانًا صهيونيًّا على الطرفين، في الوقت الذي لم تُشكِّل فيه أمريكا محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات أو الرئيس الباكستاني ضياء الحق أو حتى "جون جارنج" في جنوب السودان؟

ولماذا لا نرى مجرمَ حرب صهيونيًّا واحدًا يمثل أمامها وما أكثرهم؟ ولماذا لا نرى محكمةً دوليةً تُشكَّل بقرارٍ من مجلس الأمن الدولي للتحقيق في جرائم الحرب الأمريكية في أفغانستان والعراق، وخاصةً بعد اعتراف مرتكبيها بمسئوليتهم عن هذه الجرائم من أمثال "بوش" الابن وتوني بلير مبعوث السلام الدولي للشرق الأوسط!!!

إن الأنظمة العربية الحالية تتحمل المسئولية الأكبر عن عمليات التفكيك والتفتيت؛ لأنها سارت خلف المخططات الصهيوأمريكية وما زالت، فقد شاركت في التآمر على العراق والتواطؤ مع الحصارات المفروضة عليه وعلى قطاع غزة وعلى دولٍ أخرى مثل السودان، وسوريا، وحاليًّا إيران.

ولا يجب أن ننسى في هذا السياق ما قرره المحافظون الجدد في أمريكا، وعلى رأسهم برنارد لويس وريتشارد بيرل (أمير الظلام) وبول وولفيتز وفيث وميللر، ومعظمهم كانوا أعضاءً في اللوبي الصهيوني في أمريكا، وتولوا مناصب بارزةً في حكومة "بوش" الابن، وهم الذين قادوا الحرب على العراق.

ولا ننسى مقولتهم الشهيرة العراق فالسعودية ثم مصر هي "الجائزة"، إنها سياسة شد الأطراف ثم بترها، وهي التي اعتمدت في العراق وفي السودان ويريدون أن يكون الحبل على الجرار كأحجار الدومينو حتى يتم الانهيار الكامل، ولكن أنَّى لهم هذا؟ فالله أعلى وأعز ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية 32).

تلك هي القصعة المليئة وها هم الأكلة جاهزون، فإلى متى تظل الأنظمة تلهو وتنهب وتضطهد شعوبها.. أما آن الآوان أن تفيق من غفلتها؟؟! وتثوب إلى رشدها وتقوم بواجباتها التي سيسألها الله- عزَّ وجلَّ- عنها، ولن تسامحهم الشعوب، وسيذكر التاريخ سجلهم هذا موثقًا توثيقًا لا يقبل التزوير.

في فلسطين ميلاد أمة يلوح في الأفق

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية فشل محاولتها بإقناع الصهاينة بتجميد الاستيطان وتخليها بالتالي عن رعايتها للمفاوضات، وأعلن الأمريكان بصراحة أنه على الفلسطينيين القبول بالشروط الصهيونية والعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة تحت مصطلحٍ جديد تم صكه، اسمه "المفاوضات المتوازية"؛ وبذلك أعلنوا هم عن وفاةِ وَهْم العملية السلمية المزعومة برمتها، إن السلطة الآن تواجه لحظة الحقيقة ولا بد من مواجهتها بشجاعة والتخلي عن أساليب التهرب وعليها أن تعترف بأن الرهان على سراب المفاوضات قد انتهى، وأن الاعتماد على أمريكا المتصهينة خيار فاشل؛ لأنها لا تخدم غير القوى الذي يُؤثِّر على مصالحها بشكلٍ مباشر.

إن محاولات تدويل القضية وانتزاع الاعتراف من دول العالم بدولة فلسطين لن تضيف جديدًا فقد تمَّت هذه المحاولة منذ 22 عامًا في الجزائر وحظيت باعتراف 126 دولةً، فهل قامت هذه الدولة؟ وماذا استفاد الشعب الفلسطيني من هذه الاعترافات؟

إن الأمة كلها- وليس السلطة الفلسطينية فقط- مطالبة بالرجوع إلى الثوابت الحقيقية التي يجب أن تحكم قضية فلسطين حتى لا تُنسى، ومن ثَمَّ فإن اعتبار التفاوض والاعتراف والصلح وإقامة دولة فلسطين في حدود 1967 من المسلمات هو خطأ فاحش، إن أرض فلسطين أرض العروبة والإسلام وعليها مقدساتهم، والجهاد من أجل استرداد هذه الأرض فرض عين على الأمة العربية الإسلامية، ولقد كانت حرب غزة نموذجًا فذًّا لصمود الشعب الفلسطيني المجاهد، وكان الفشل الذريع للصهاينة دليلاً قاطعًا على أن ما يحدث في فلسطين هو ميلاد أمة تخرج من بين الركام والأنقاض أكثر صلابةً وقوةً وإيمانًا، ومَن يرغب في نصرة فلسطين فعليه أن ينضمَّ إلى المشروع المقاوم، فلم تعد تُجدي أساليب الشجب والاستنكار، وفلسطين لن تتحرر بالتمنيات والدعوات، وإنما بالجهاد والتضحيات، ونحن نناشد كل الأخوة في فلسطين العودة إلى الوحدة الوطنية على أرضية المقاومة؛ فذلك هو السبيل الوحيد لعودة فلسطين، وإنه لجهادٌ نصرٌ أو استشهادٌ.

وبعد،،

فرغم مؤامرات الأعداء وخططهم ومكرهم، والذي يقول الله فيه: ﴿.. وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ﴾ (إبراهيم: من الآية 46).

فإننا على ثقةٍ من وعد الله وموعوده بالنصر، ونحن نعلم ونُوقن أن نصرَّ الله لا يأتي هبة أو منحة، ولكن وفق سنن وقوانين وأسباب لا ينبغي أن نغفل عنها أو نُقصِّر فيها.. ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (محمد: من الآية 4).

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال)، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الفتح: من الآية 4).

نحن أصحاب مبدأ ودعوة وقضية حق، وسوف نلقى الله ونحن عليها ثابتون، ومهما ادلهمت الحوادث والأخطار فلن تغير مسارنا ولن تحرفنا عن هدفنا؛ فالله هو الغاية، والرسول هو القدوة، والقرآن هو الدستور، والجهاد هو السبيل، وسيظل الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

والله من وراء القصد، والله أكبر ولله الحمد

الهجرة ومستقبل الأمة

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه.. وبعد؛

الهجرة والأمل القريب:

لا شكَ أن الهجرة هي رحلة حياة هذه الأمة من يوم أن أَذِنَ الله تعالى بنصره لها ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: من الآية 40)؛ لأن الله يُمضي سنته وينزل سكينته في قلوب المؤمنين، والله تعالى هو الذي يأْذن بالفرج من عنده، وهو الذي يأتي بالنصر من قلب المحنة، وهو الذي يبعث النور من كبد الظلماء، عشر سنوات ينطلق فيها صوت النبي صلى الله عليه وسلم رغم المعاناة: "مَن يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي"، وتتواصى آلةُ الإعلام بالتشويه، معلنةً لمَن يخرج من مكة: احذرْ غلام قريش لا يفتنك، يقول تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43)﴾ (فاطر)، فمن أيَّد النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومَن نصره؟ ومَن أبلغ الرسالة آفاق الأرض؟ أليس الله هو الذي أذن بنصره من أول الهجرة؟.

وبينما يظن الباطل أنه ضيَّق على دعوة الله وأنهى وجودها، يأتي الأنصار وتكون البيعة على السمع والطاعة والنفقة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يدعوا إلى الله ويجاهدوا في الله لا يخافون لومة لائم، وعلى النصرة والمنعة، ولهم الجنة، ويلخص جابر بن عبد الله هذا المشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "فقمنا إليه فبايعناه" رواه أحمد، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يُجسِّد لنا: كيف تصنع الأمة نصر الله بعملها وجهادها وتضحياتها؟ وصدق الله القائل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران).

وبينما القوى الغاشمة المستبدة الظالمة في مكة، يضللون الناس بالأكاذيب حول الدعوة، وبالتآمر حول الداعية صلى الله عليه وسلم، ويمارسون أبشع أنواع التعذيب والبطش والإيذاء، في نفس اللحظة، لم يكن هناك من بيتٍ بالمدينة إلا وفيه ذكر الله ورسوله ودعوة الإسلام، فهل أدرك هذا المعنى اليائسون الغارقون في تشاؤمهم البغيض مِن فرجٍ قريبٍ لهذه الأمة المكلومة اليوم، المنتصرة في الغد بإذن الله، ومَن يدري لعلَّ الله يصنع للأمة خيوطَ فجرٍ أبيض من حلكات ليلها الداجي؟ ومَن يدري لعل معاناة الأمة وآلامها اليوم هي بعينها مخاض النصر والتمكين لدين الله في الأرض.

فمنذ أول وهلةٍ لم يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم فارًّا أو مستسهلاً، وإنما منتصرًا بثباته وأصحابه ومنتقلاً إلى الأصعب ليكمل خطوات الرسالة، وفي شموخٍ يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9)﴾ (يس)، فرغم الحصار، ورغم الأسر، ينثر النبي صلى الله عليه وسلم التراب على الرءوس المستكبرة، والمتجمعة على قتله ظلمًا وعدوانًا، أوليس هذا التراب قد تفرَّق على رءوس ممثلي القبائل بدلاً من تفرقِ دمه صلى الله عليه وسلم في القبائل، وما كان هذا الخزي والعار إلا فضيحة مدوية لفشلهم، ولكل مَن سار على دربهم، بهذه الحقيقة الدائمة: بأن الأمل يحيا من بواطن الظلمة السوداء؟ فهم لا يدركون أنهم يحاربون الله الذي قال "مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب".

وفي سورة القصص بداية بعث الأمل في وعد الله رغم أنف الظالمين كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).

ومن لحظة الأمل هذه يبدأ العمل، ويبدأ الجهاد، وتبدأ التضحيات، وكلها خطوات يحميها ويؤيدها وينصرها الذي أذن بالهجرة، وهذا هو ما كان يقينًا في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لأبي بكر: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وكأنَّ صوت النبي الواثق في نصر الله، يتوجه اليوم في أمتنا: لا تهنوا ولا تحزنوا إن الله معكم، إن استوعبتم معنى الهجرة العميق، من الثقة والعزم والأمان، هنالك تنطلق الحقائق الدامغة في وجه المتشائمين والمثبطين، حين ينقلب السحر على ساحره، وما أمر سراقة بن مالك منا ببعيد! فقد جاء أول النهار جاحدًا للدعوة والداعية، يُحرِّكه المنصب والمال، وأصبح آخره حارسًا للدعوة والداعية صلى الله عليه وسلم، يُحرِّكه الأمل في التمكين لأمة الإسلام، وهو ما رآه وتحقق منه في حياته عندما لبس سوارى كسرى كما وعده الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 41).

الهجرة ومصارع الطغاة:

وفي خطٍّ موازِ للأمل، كانت الهجرة إيذانًا من الله بزوال الطغاة، وهو ما رأته الأمة حقيقةً شاخصةً في انتصار بدر، والنبي صلى الله عليه وسلم يُشهد المسلمين مصارعَ الطغاة، هؤلاء الصرعى هم الذين اعتلوا السلطة فاستبدوا وظلموا وافتروا وتكبروا وتغطرسوا، فأين هم الآن؟، هؤلاء الصرعى هم الذين عذَّبوا الضعفاء من المؤمنين وحاربوا الدعوة وتآمروا على الداعية، فأين هم الآن؟، هؤلاء الصرعى هم الذين احتكروا سُدة الحكم، وحاصروا المؤمنين بالجوع، وأفسدوا الحياة، وألبوا الناس على الدعوة والداعية تشويهًا، أين هم الآن؟ هؤلاء الصرعى هم الذين دعاهم القرآن بسبيل الإقناع فأبوا إلا طريق النفي والتشريد والحبس والحصار والقتل، فأين هم الآن؟ اليوم هم صرعى على باطلهم، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 28).

ألم تكن إذن الهجرة هجرًا حقيقيًّا للطغيان والظلم والاستبداد؟، فالطغاة الذين ألجأوا النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة، أدركوا مدى الخطر الذي أقدموا عليه والمُبيَّت لهم، وكانوا على قناعةٍ من أعماقهم، بأن الدائرة ستدور عليهم قريبًا، فهل أفلحت وسائلهم في صدِّ سنة الله الثابتة عليهم؟، هذه الحقيقة المتواصلة عبر التاريخ:

- لقد امتدت الفتوحات على هذه الأرض شرقًا وغربًا، بعد ما ظنَّ المرتدون أن الإسلام زائلٌ لا محالةَ!.

- ولقد هَزَمَ الله سبحانه وتعالى أعداءه من التتار في عين جالوت، بعد ما ظنَّ الناس أن أمة الإسلام قد أُبيدت فور قتل مليونَي مسلم في بغداد وحدها!.

- ولقد تهلل المسجد الأقصى يوم أن تحرَّر من الصليبيين في حطين، بعد ما ظنَّ المتآمرون بخوضهم في دماء المسلمين، أن الأمةَ قد أُصيبت بسكتةٍ لا تنهض بعدها!.

فلا يأس ولا قنوط فرُبَّ منحةٍ في طي محنة، يقول تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216)، فإن كانت شدة في ميزان الناس، فهي في ميزان الله فرجًا قريبًا، وإن كانت تضييقًا فهي في ميزان الله فتحًا مبينًا، وإن كانت ليلاً حالكًا فهي في ميزان الله فجرًا حاضرًا.

نداء الإخوان المسلمين لأحرار الأمة:

ولذلك فالإخوان المسلمون وهم يستلهمون من الهجرة معناها العميق: في الأمل ونهاية الطغيان، يؤمنون بأن معاناة أمتنا في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرهم من عدوان الصهاينة والأمريكان، وآلامها من المؤامرات المتتالية بأيدى حكامها لتمزيقها ونهب ثرواتها، ما هي إلا رحلة الأمة نحو النصر والرفعة والتمكين لها في الأرض إن هي استيقظت وتآلفت وتناست خلافاتها، وتنبهت لمكائد أعدائها مستجيبةً لنداء ربها و﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).

ولذلك فالإخوان المسلمون يطمئنون القلوب المهمومة بالأمة، والتي أقضت مضاجعها وأسالت مدامعها آلام الأمة، ويرسلوا إليها نداءً وبُشرى، بأننا انطلاقًا من إسلامنا العظيم، بحُبِّ الجهاد، وتقديم التضحيات واليقين في وعد الله وموعوده، نصنع معًا فجرنا المشرق الوضاء، وحينئذٍ نفرح جميعًا بفضل الله ونصره تعالى، فهو الذي أهلك فرعون الذي طغى، ودمَّر ثمود التي كذبت بطغواها وانبعث أشقاها، وأغرق قوم نوح إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)﴾ (المرسلات).

وهو تعالى القادر اليوم على ردِّ التآمر الأمريكي الصهيوني، وتبديد غطرسة وعبث الصهاينة في المسجد الأقصى، وكسر الحصار الآثم من حول غزة الأبية، التي يعتصم أهلها بالمقاومة، ويعبرون بعزم وقوة عن حقيقة الهجرة، في انطلاقتهم المباركة وانتفاضتهم الأبية، نحو تحقيق أمل الأمة بدحر الاحتلال الغاصب، ورفض ومقاومة الظلم وإنهاء كل أشكال الاستسلام للعدو الخارجي والأنظمة الحاكمة الظالمة، بعد الفشل المتوالي باسم المفاوضات المهينة، سواء كانت المباشرة أو غير المباشرة، فكلها أباطيل يدحضها صوت المقاومة الصادق، فهل يكتب الله لنا صلاة في الأقصى؟ ونشهد يومًا وضَّاءً! مثل يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، يقول أنس: "شهدت يوم دخل النبي المدينة فلم أر يومًا أحسن منه ولا أضوأ منه" (رواه الحاكم)، فإلى هذا اليوم يا أحرار الأمة، يسبقنا الشوق لنصر الله، ثابتين على الإعداد الذي أمرنا به الله، فإن الله قضى وقدَّر أن يخذل الباطل، بقوة أنصار الحق وتضحياتهم ليستروا القدرة ويأخذوا الأجرة، وما ذلك اليوم ببعيد: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

الانطلاق من الهجرة للتغيير والبناء

Posted by حسام خليل in

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه... أما بعد:

فيقول الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾ (التوبة).

أيها المسلمون:

تمرُّ بنا في هذه الأيام ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والعالم يعيش حالةً من الصراع والظلم والاضطراب بسبب البعد عن الحقِّ والعدل، ولا يزال هذا العالم يحلم بالسلام والحرية، ولكن كيف السبيل إلى ذلك، وكثير من النظم والحكومات تسير في اتجاه معاكس لاتجاه شعوبهم، وتتحكم القوى الكبرى في مُقدَّرات الشعوب وتكيل بعدة مكاييل، والصهاينة يحتلون أرض فلسطين أرض العروبة والإسلام، والأمريكان وأعوانهم يحتلون أرض العراق وأفغانستان ويعيثون فيهما فسادًا، والشعوب تقاوم الظلم والعدوان، ومهما كان هذا الطغيان، ومهما طال زمن الظلم فلن يكون في الكون إلا إرادة العزيز الجبار.

والهجرة ليست مجرَّد أحداث وقصص تُروى، وإنما هي وحي التاريخ الحي للأمم التي تريد الحياة.. وهي قضية اليوم قبل الأمس؛ لأنها قضية البطولة والرجولة، وحديث الإيمان والفداء والحرية والإخاء، وما أحوجنا إلى كل ذلك؛ لتدعيم حياتنا في الحاضر والمستقبل.

والدروس في الهجرة أكثر من أن تحصى أو تعد، وسوف نقف على بعضها ويتصدر تلك الدروس:

- حب الرسول- صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين وحرصه على راحتهم:

لقد أحب الرسول- صلى الله عليه وسلم- مَن آمن بالله وبما جاء به حبًّا كثيرًا، وكان كما قال الله في وصفه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾ (التوبة: 128).

وتجلى حرصه على أمن أصحابه وراحتهم، حين أمرهم بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن بها حاكمًا عادلاً، والعدل هو سر الأمان، وقد قيل لعمر- رضي الله عنه-: "حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر.." لقد أرسلهم- صلى الله عليه وسلم- إلى المكان الآمن، وبقي هو بمكة يواجه الأذى والعنت من قريش، وهو يدعوهم إلى الله العزيز الغفار..

فهل يستفيد حكامنا وحكام العالم من هذا الدرس العظيم، فيعدلوا بين رعيتهم حتى يخيم الأمن على الأوطان، وينعم به الحكام قبل شعوبهم.. ويعلموا أن العدل أعظم سياج للأمن، ويغنيهم عن ما يحيطون به أنفسهم من جند.

وهل يتعلمون أن من واجبهم أن يتعبوا لتستريح شعوبهم، ويسهروا لينام المواطن آمنًا مطمئنًا، وأن مهمتهم الكبرى أن يحققوا الأمن للشعوب والراحة للمواطنين، قبل أن يهنئوا هم بذلك.

ولقد عبَّر عن ذلك الإمام البنا- رحمه الله- بقوله: "ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيبٌ إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم، إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم، إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا- جد عزيز- أن نرى ما يحيط بقومنا، ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام، ولسنا نمتن بشيء ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلاً، وإنما نعتقد قول الله تعالى: ﴿بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 17).

وكم نتمنى- لو تنفع المنى- أن تتفتح هذه القلوب على مرأى ومسمع من أمتنا، فينظر إخواننا:

هل يرون فيها إلا حب الخير لهم، والإشفاق عليهم، والتفاني في صالحهم؟

وهل يجدون إلا ألمًا مضنيًا من هذا الحال التي وصلنا إليها؟

ولكن حسبنا أن الله يعلم ذلك كله، وهو وحده الكفيل بالتأييد، الموفق للتسديد، بيده أزمة القلوب ومفاتيحها، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له وهو حسبنا ونعم الوكيل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: من الآية 36).

- المسلم عظيم الحب للوطن:

أيها المسلمون: إن في الهجرة درسًا عظيمًا في حب الوطن، والتعلق به والحنين إليه، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِلادِ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّةُ, وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ".

ومصر وكل بلاد العرب والمسلمين هي أوطاننا الحبيبة، مكانتها رفيعة، وعزها عزنا، ومن ثَمَّ فنحن نفتديها بأرواحنا، وندافع عنها بكل ما نملك، ولتسمع الدنيا ما وصف به البنا- رحمه الله- مصر (على سبيل المقال): "إننا نعيش في أخصب بقاع الأرض، وأعذبها ماءً، وأعدلها هواءً، وأيسرها رزقًا، وأكثرها خيرًا، وأوسطها دارًا، وأقدمها مدنيةً وحضارةً وعلمًا ومعرفةً، وأحفلها بآثار العمران الروحي والمادي والعملي والفني، وفي بلدنا المواد الأولية، والخامات الصناعية، والخيرات الزراعية، وكل ما تحتاج إليه أمة قوية، تريد أن تستغني بنفسها، وتسوق الخير إلى غيرها، وما من أجنبي هبط هذا البلد الأمين، إلا صح بعد مرض، واغتنى بعد فاقة، وعز بعد ذلة، وأترف بعد البؤس والشقاء..".

إن بلدًا هذا شأنه، جديرٌ بأن يجعلنا أشد تفانيًا في إصلاحها، واجتثاث الفساد من أكنافها، وكشف المفسدين والتصدي لهم ولفسادهم حتى لا يستمر نزيف تبديد خيرات الوطن، وليعلم قومنا أننا ماضون في عملنا الإصلاحي، ولن يوقفنا ما يلحقنا من عنت، أو ينزل بنا من أذى، أو يحيط بنا من ضرر.. فالوطن والمواطنين أحب إلينا من أنفسنا، وإننا لنضحي بكل ما نملك من أجل تنمية واستقرار الوطن.

- الهجرة كانت بعد تعميق الإيمان:

إن الإيمان سرٌّ من أسرار القوة، لا يدركه إلا المؤمنون الصادقون، وإذا فُقد الإيمان فهل تغني أسلحة المادة جميعًا عن أهلها شيئًا؟.

ومن أجل ذلك نجد أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- ظلَّ ثلاثة عشر عامًا يوطد دعائم الإيمان في النفوس، ويسمو بالقلوب لتكون محبة الله ورسوله هي المتربعة على عرش القلوب: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).

فالإيمان وحده هو الذي يدفع المسلم؛ لأن يضحي بماله، بل وفعل كل شيء ويغادر وطنه من أجل عقيدته.. ومن أجل الاستمرار في بناء الإيمان وتثبيته في النفوس المسلمة- مهاجرين وأنصار- كان أول عمل قام به النبي- صلى الله عليه وسلم- حين وصل إلى المدينة هو بناء المسجد الذي يصل الأرض بالسماء، وفيه تتنزل السكينة والرحمات، وفيه تلتقي الأفئدة المؤمنة لمناجاة ربها.

ولو أن الأمة كلها- حكامًا ومحكومين- لامس الإيمان شغاف قلوبهم، وتمكن من أفئدتهم، لَما صار حالُنا إلى ما نحن فيه، ولو أنهم اعتصموا بالله وأخلصوا له وارتكنوا إليه، لعادت إليهم عزتهم، ولَمَكَّنَ الله لهم في أوطانهم، ولَخَلَّص الأمة من أهم عوامل الفساد والإفساد لحياة هذا الشعب المصري وغيره من الشعوب العربية والإسلامية، والمتمثل في أمرين:

* التدخل والتحكم الأجنبي الذي أفقدنا عزتنا، ووجهنا غير وجهتنا.

* الضعف المتناهي من هذه الحكومات، التي جعلت من نفسها أداةً طيعةً، إن لم تكن مسرعةً في يد الأجنبي، يتحكم بها في رقاب الناس كما يشاء، وينفذ بها مطالبه وخططه كما يريد سافرًا أو مستترًا.

- الشدائد تقوي اليقين:

لقد سبقت الهجرة بشدائد متوالية أحاطت بالرسول- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، كحصار المسلمين في شعب أبي طالب، وموت أبي طالب، والسيدة خديجة، مما جعل أهل مكة يؤذون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بالقول والفعل، فخرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف يبحث عن الناصر والمعين، فأغروا بها السفهاء يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه.

ولقد كان لتلك الشدائد دور عظيم في زيادة إيمانهم، وشدة يقينهم بأنهم أصحاب الحق، وأن المستقبل لهم، وأن ما يلحقهم من أذى وعذاب، عذب سائغ ما دام في سبيل الله، وأنه لا يفقدهم الأمل، بل يتحققون من قرب بزوغ الفجر، وأن استخلافهم في الأرض آتٍ لا محالة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55).

كما أن إتمام أمر هذا الدين، ونشر الأمن في ربوع العالمين أمر لا شك فيه، كما وعدهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقال: "وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أو الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".

فاصبروا أيها المسلمون وصابروا وجاهدوا في الله حق جهاده، فكما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".

- أيها المسلم اعلم أنك أنت الأعلى بفضل الله:

وإياكم أيها المسلمون أن ترضوا بالدنية في دينكم، أو دنياكم، فليس ذلك من صفات من اعتز بالله، وارتكن إليه، وتوكل عليه، والعاقبة لكم إن شاء الله، فالمسلم بإيمانه الصادق وعمله الخالص، كتب الله له العلو، وكيف لا؟ وقد قال تعالى بصدد الحديث عن الهجرة: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، وإذا كانت كلمة الله لها العلو، فإن مَن يحمل لا إله إلا الله، ويعمل بمقتضاها، ويجاهد في سبيلها.. من كان هذا شأنه، فإنه الأعلى، ووجب عليه ألا يرضى بالهوان، وألا يقبل بالاستسلام، فالله معه، ولن يضيع عمله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾ (محمد: من الآية 35).

- الأخوة الإسلامية رباط مقدس:

لقد كان التآخي بين المهاجرين والأنصار من أهم الأعمال التي قام بها النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، ولقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "وكونوا عباد الله إخوانا".

وكذلك فهم المسلمون الأولون من الإسلام هذا المعنى الأخوي، وأملت عليهم عقيدتهم في دين الله أخلد عواطف الحب والتآلف، وأنبل مظاهر الأخوة والتعارف، فكانوا رجلاً واحدًا، وقلبًا واحدًا، ويدًا واحدةً: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)ْ﴾ (الأنفال: 63).

وإن ذلك المهاجر الذي كان يترك أهله، ويفارق أرضه في مكة، ويفر بدينه، كان يجد الأنصار ينتظرونه، وكلهم شوق إليه، وحب له وسرور بمقدمه، وما دفعتهم إليه غاية أو منفعة، وإنما هي عقيدة الإسلام، جعلتهم يحنون إليه، ويتصلون به، ويعدونه جزءًا من أنفسهم، وشقيقًا لأرواحهم، وما هو إلا أن يصل المسجد، حتى يلتفون من حوله كلهم يدعوه إلى بيته، ويؤثره على نفسه، ويفديه بروحه وعياله، ويتشبث بمطلبه هذا، حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع، حتى روى الإمام البخاري ما معناه: (ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة)، وحتى خلد القرآن للأنصار ذلك الفضل أبد الدهر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾ (الحشر).

أيها المسلمون:

إن الهجرة تحمل في طياتها هذه الدروس وغيرها: كتمام التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب، وحسن التخطيط والتنظيم، والسرية والكتمان، والتضحية والفداء، وبين يدي ذلك كله قيادة استطاعت أن تُنشئ مجتمعًا شعاره التوحيد، ودثاره الوحدة.

وكل ذلك كان المنطلق لبناء دولة الإسلام العظيمة التي استطاعت في ربع قرن أن تكون لها السيادة والريادة، وصارت الدولة العظمى التي خلصت العباد من عبادة العباد، وأقامت العدل والمساواة بين الناس دون تفرقة باللون أو الجنس أو الطبقة، ونشرت الرحمة على العالمين، حتى وصلت إلى الحيوان، فمن سقى كلبًا غفر الله له، وأدخله الجنة، ومن حبست هرة "قطة" دخلت النار.

أين هذه الرحمة من قسوة الحكام والنظم التي تكبل الإنسان وتحديد وتصادر حريته وإرادته، وتحرمه من كل حقوقه، وما فعل الصهاينة- بدعم أمريكا- في أهل فلسطين عنا ببعيد.

فهل يتعلم المسلمون من دروس الهجرة العظيمة، فيفروا إلى الله، ويهاجروا إليه، ويقيموا شرع الإسلام على أرضهم؛ لينعموا بالحرية والأمن والأمان.. وينطلقوا بالعمل ليستردوا ما اغتصب منهم، ويحرروا ما احتل من أرضهم ومقدساتهم.. ويخلصوها من دنس الصهاينة وغيرهم، وينعم الحكام بحب شعوبهم، وتسعد الشعوب بعدل حكامهم، وتعم المودة والتعاطف والتراحم فيما بينهم، فيعيش الجميع في أمان ولا يغتصب حق أحد، ولا تصادر له حرية ولا ينزل ظلم بأحد.. وما ذلك عنا ببعيد، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).

والله أكبر ولله الحمد.