الهدف مش جون -مصر والجزائر

Posted by حسام خليل in


-

19/11/2009

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اله وعلى آله وصحبه ومن والاه،


وبعد؛ فها هي قلوب المسلمين تهوي إلى البيت الحرام من أنحاء المعمورة، برهانا على استجابة الله لدعوة الخليل إبراهيم حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (إبراهيم:37) وما يزال وعد الله يتحقق، وما تزال أفئدة من الناس تهوى إلى البيت الحرام؛ يتقاطرون بمئات الألوف من فجاج الأرض البعيدة، قاصدين بيت الله الحرام، يعيشون في رحابه، ويتعلمون من خلال الحج دروس الحياة العزيزة، ومنها ما يلي:

الحج تطبيق عملي لمبدأ المساواة:

يلتقي المسلمون على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (الحج:28) فتتجلى المساواة بأسمى صورها الواقعية في الحج، فالجميع يلبسون لباسا واحدا بسيطا لا ترف فيه ولا تفاخر، والجميع يطوفون حول البيت ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:25]، والجميع يهتفون هتافا واحدا لا أثرَ فيه لعنصرية، ولا محلَّ فيه لعصبية «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، والجميع يقفون في عرفات موقفاً واحداً، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والإخلاص، فتذوب الطبقية، وتتلاشى التفرقة، وتتجسد المساواة الحقة الصادقة الخالية من كل تكلف أو خداع، المساواة التي فقدت في العالم المتحضر، وضاعت في دنيا المدنية الزائفة.

والجميع يفيضون من عرفات ويأتون المشعر الحرام بمزدلفة، بعد أن ألغى الإسلامُ الامتيازَ الذي كانت قريشٌ تعطيه نفسَها؛ ليؤكد عمليًّا المساواةَ بين الجميع، فقد «كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾» (البقرة:199) (متفق عليه).

ثم وقف صلى الله عليه وسلم يعلن هذا المبدأ الإنساني الجامع يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات:13)، فَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ وَلا لأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ، إِلا بِالتَّقْوَى» (الطبراني)


وهو صلى الله عليه وسلم الذي قال يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ (أي كبر وفخر) الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ» (الترمذي).

لقد آن للمسلمين، بل للدنيا كلها، أن تتعلم المساواة الحقيقية من هذه الفريضة الكريمة ومن مختلف شعائر هذا الدين القويم، بدلاً من التعلق بالشعارات الفارغة التي ترددها بعض الأمم بألسنتها، وتُوقِّع من أجلها المواثيق والمعاهدات، ثم تدوسها كل صباح ومساء بأقدامها وسلطانها وقوتها وجبروتها، وتضمر في نفسها احتقاراً لأبناء الأمم الأخرى.

الحج مؤتمر الأمة الواحدة المتوحدة:

ها هم اليوم حجاج بيت الله الحرام من كل فج عميق، بكل لغةِ ولون، يتوافدون على البقاع المقدسة الطاهرة، متناسين الخلافات السياسية بين الدول التي وفدوا منها، لا تحركهم سوى قوة العقيدة والدين، الذي ينفذ إلى أعماق القلوب وأغوار النفوس، فيحركها نحو الوحدة الإنسانية الكبرى، البريئة من نزعات التعصب لجنس أو لون أو عرق، ويحذرها من الاستجابة لرغبات الأعداء في تفريقها وتمزيقها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران:100) ويدعوها في وضوح تام ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:103)، ومن ثم ينطلق المسلم مستحضرا ماضي أمته الواحدة، متطلعا إلى إحياء هذه الوحدة العزيزة، ولسان حاله يقول:


تُرَجِّعُ أَعْمَاقِي نِدَاءَ مُحَمَّدٍ وَصَوْتَ بِلاَلٍ بِالْمَآَذِنِ عَالِيَا


وَصَيْحَاتِ سَعْدٍ فِي الْحُرُوبِ وَخَالِدٍ وَأَمْجَادُ أَسْلَافِي تُدَوِّي وَرَائِيَا


وَأَرْفَعُ فِي لُجِّ الْحَوَادِثِ هَامَتِي وَلَوْ كَانَ فِي رَفْعِ الرُّؤُوسِ مَمَاتِيَا


تَلَاشَتْ حُدُودُ الْأَرْضِ عِنْدِي وَإِنَّمَا بِلَادِي وَقَوْمِي حَيْثُ يُدْعَي إِلَاهِيَا

ثم إن هذا الموسم يمثل اجتماع كل طاقات الأمة المسلمة من العامة والعلماء، ومن البسطاء والحكماء، ومن الضعفاء والأقوياء، ومن الأغنياء والفقراء، يجتمعون في موطن واحدِ؛ ليتعلموا أن أمة الحق وحدة واحدة، لا بد أن تتكامل في قواها، وأن يجتمع مال أغنيائها وقوة أقويائها مع عقول علمائها وحكمة حكمائها؛ لتحقق الوحدة المنشودة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (الأنبياء:92).

وكم هو عظيم معنى الطواف الذي يجعل الأمة كلها تطوف نحو محورٍ واحد، بكل مشاعرها، فيغمرها شعورٌ كريمٌ فياضٌ، بانتمائها إلى هدفٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ، فتتدرب على التعاون وإنكار الذات، وتتلقى دروسًا عملية في الحب والوحدة.


قل لي بربك، ما شعورك حين ترى مئات الألوف من الحجيج –على اختلاف أجناسهم وتباين لغاتهم- يسيرون في ارتباط وتآزر، ووحدة وتكاتف. ووسط التلبية الهادرة، والأصوات العالية، إذا أذن المؤذن سمعوا الأذان، ولبوا النداء، ووقف الجميع كأن على رؤوسهم الطير، لا تسمع حينئذ إلا همسًا، ولا ترى إلا أجسامًا منظومة، وأقدامًا مصفوفة، إذا ركع إمامهم ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا قرأ أنصتوا، وإذا دعا أمّنوا.

إنها صورة من صور الجمال والحسن والجلال، ومشهد من مشاهد الكمال. فلْتَأْتِ الدنيا كلُّها لتُطِلَّ على هذا المنظر البديع المتناسق، وليشهد الوجودُ كله بأن الإسلام هو دين الوحدة والنظام، ودين الحياة.


إن الأمة اليوم وهي تُضطهد في كل ديارها، وتحاط بالمؤامرات والكيد من كل جوانبها ينبغي أن تستحضر ضرورة الوحدة، وأن تدرك أن قطب الرحى لهذه الوحدة هو دينها الذي به عزتها، وعقيدتها التي منها تستمد قوتها، وأن تستمع لهذا النداء الخالد من نبيها العظيم صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (متفق عليه)، وأن تلتفت إلى عنوان تجمُّعها وشعار وحدتها، وهو الاستمساك بالكتاب والسنة «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (موطأ مالك).

فهل ينتهز قادة الأمة وعقلاؤها هذا المؤتمر الإسلامي السنوي العام للعمل على لم الشمل، وفض النزاعات وتوحيد الصف والوقوف بوجه العدو المتربص؟.

حقن الدماء وحرمة دم المسلم:

في حجة الوداع قام القائد الأعظم، والرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فألقى أسمى خطاب في الوجود، وأخلد حديث على صفحات الزمان، وأرسى بنود أعدل دستور عرفه التاريخ، يرسم للبشرية طريق خلاصها، وسبيل مجدها، ودروب سعادتها وعزتها، ويسكب في أذن الدنيا أصدق قانون، فيه صلاح المجتمع، وكرامة الإنسان، ويتلو قول الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة:3).


ومن أهم ما شدد عليه صلى الله عليه وسلم : حرمة الدماء، فقد خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا». فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه : فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (البخاري)

ورفض النبي صلى الله عليه وسلم كل أعراف الجاهلية في الأخذ بالثأر أو إراقة الدماء تحت أي مبرر، وبدأ بدماء أهل بيته، فقال في خطبة عرفة: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا: دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ» (مسلم).

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعلن أن الشيطان يقود حربا للإيقاع بين أبناء الأمة، فيَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (مسلم). أليس ما يجري في هذه الأشهر الحرم في بلادنا العربية والإسلامية من حروب وفتن داخلية، يُذكيها أولياء الشيطان من الشرق والغرب ويمدون أطرافها بالسلاح والعتاد، هو من تحريش الشيطان الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم ؟

فيا عقلاء الأمة، ويا قادة الأمة، ويا علماء الأمة، هلموا إلى عمل جاد حازم، يوقف نزيف الدم المسلم في اليمن والعراق والصومال وباكستان وأفغانستان والسودان وكل مناطق التوتر على امتداد رقعة أمتنا الإسلامية؛ حقنا للدماء المسلمة التي تراق في غير ميدانها. وتنفيذا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي قال: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (الترمذي).

أليس عجيبا أن يمد العرب والمسلمون أيديهم للسلام والتفاهم مع أعداء الأمة الذين احتلوا الديار وقتلوا الأبرياء في فلسطين وغيرها، وفي ذات الوقت يمتنعون من التفاهم مع بني جلدتهم وأوطانهم، ولا يعرفون سبيلا لحل مشاكل أوطانهم إلا بقوة الحرب والسلاح الذي اشترته جيوش الأمة من أجل حماية الأوطان لا من أجل حل الأزمات الداخلية؟

أليس الأشد عجبا أن يسمح بمرور السلاح بكل أشكاله إلى الأطراف المتنازعة في قلب الأمة، في الوقت الذي يتكاتف فيه العرب والمسلمون مع الصهاينة المجرمين لمنع السلاح عن المقاومين المجاهدين؟ ألا يثير كل ذلك النخوة في قلوب قادة الأمة وأصحاب الكلمة فيها، فيتحركون لإصلاح هذا الخلل، وتقويم هذا العوج؟.

القدس والأقصى في قلب كل مسلم:

إن البقاع المقدسة في مكة والمدينة لتذكرنا البلدَ المباركَ الذي بارك الله حوله، القدسَ الشريف، الذي يشكو إلى ربه ظلمَ اليهود الظالمين، وعجزَ المسلمين المتخاذلين، إذ يعيش أهله تحت سياط القهر والخوف والتهجير ومصادرة الأملاك وهدم البيوت، وإن الطواف حول البيت المعظم ليذكرنا شقيقَه المأسورَ المسجدَ الأقصى المباركَ، وإن للقدس والأقصى محلا ساميا في قلب كل مسلم، ولئن عجز النظام الرسمي العربي والإسلامي عن الوقوف في وجه المحاولات الصهيونية الآثمة لتهويد القدس وهدم الأقصى؛ فلقد أثبت أبناء الأقصى المرابطون أنهم يفدونه بأرواحهم وأنفسهم، وإنهم لجديرون بأن تقف الأمة من ورائهم، وأن تشد من أزرهم، حتى يكتب الله لهم النصر ولأقصانا ومدينتنا التحرير بإذن الله.

وإني لأدعو كل مسلم في هذه الأيام المباركة وبخاصة حجاج بيت الله إلى التضرع إلى الله في إخلاصٍ وإخباتٍ وخشوعٍ أن يفك أسْرَ البلد المبارك، ليلحق بأخويه مكة والمدينة، وأن يكتبَ لأهله ونازليه الأمنَ في ظل الإسلام الحنيف، وأن يحفظه وأن يثبت المجاهدين من أهله ويربط على قلوبهم حتى يتم لهم النصر الموعود إن شاء الله، وأن يحفظ المسجد الأقصى المبارك من كيد الصهاينة المجرمين، وأن يلحقه بأخويه المسجد الحرام والمسجد النبوي في الأمن والأمان والسلامة والإسلام.

وكل عام وأمتنا الإسلامية بألف خير، والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

القاهرة فى : 2 من ذى الحجة 1430هـ الموافق 19 من نوفمبر 2009م

يارب والأقصى يهدم

Posted by حسام خليل in


لعب ولهو

Posted by حسام خليل in

إذا أراد الكبار أن ينجزوا مهمتهم ألهوا الصغار بلعب يصنعونها لهم بدقة شديدة وعناية فائقة وينفقون عليها المبالغ الطائلة حتى ينشغل الأطفال بلهوهم ويتفرغ الكبار لتنفيذ ما هم عازمون عليه من مهام جسام في هدوء شديد بعيدا عن الضوضاء الذي يعكر صفو التركيز ويعطل عن الإنجاز المحكم السريع

فبينما يستمتع الصغار بقضاء أوقاتهم الرخيصة في لعب ولهو ، يستثمر الكبار كل دقيقة في جد واجتهاد وعزم وتصميم وكأنهم في سباق مع الزمن فلا يلتفتون لما يتهافت عليه الصغار بل يسخرون من هؤلاء السذج الذين نسوا في غمرة انشغالهم بضياع أوقاتهم أنهم يلعبون وأن الدمية التي بين أيديهم إنما هي لعبة فتراهم يتقاتلون ويتشاجرون ويحزنون ويفرحون ويفكرون ويخططون وينامون ويستيقظون وليس في رأسهم إلا أمر ما بين أيديهم من لعب صنعها لهم الكبار بحنكتهم ودهائهم
وحينما يتفاخر الصغار بتحقيق انتصارات وهمية في معاركهم يصفق لهم الكبار مشجعين وهم يضحكون ، والضحك هنا بالطبع ليس فرحا بانتصار الصغار ولكن سخرية منهم وتشجيعا لهم حتى يستمروا في غمرة انشغالهم عما أنجزه وينجزه الكبار في صمت شديد وسرية تامة
وفي كثير من الأحيان يتعمد الكبار إشعال نار التنافس بين الصغار وتسليط الأضواء التي تخطف الأبصار ليرتبط الصغار بملاعبهم ليل نهارفبينما توغلت قوة صهيونية خاصة مساء الجمعة (13-11) شمال شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة،من بوابة السريج شرق بلدة القرارة شمال شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع، وسط الحقول الزرعية، يترقب عشاق كرة القدم المواجهة الحاسمة التي ستجمع منتخب مصر الأول مع نظيره الجزائري , مساء السبت , بالقاهرة فى الجولة السادسة الأخيرة لمباريات المجموعةالثالثة فى تصفيات إفريقياالمؤهلة لنهائيات كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا.
وفي الوقت الذي استعد فيه خمسة عشر جنديا عربيا لحماية مباراة مصر والجزائر حيث تحولت مدينة أم درمان إلى شبه ثكنة عسكرية بهدف الحيلولة دون مواجهات محتملة بين جمهوري الفريقين في المباراة المؤهلة لكأس العالم 2010 ، توغلت ست جرافات وأربع دبابات صهيونية يوم الثلاثاء 17 / 11 قرب مجمع النفايات شرق منطقة حجر الديك جنوب شرق غزة وتقدمت
مسافة 200 متر وبدأت في أعمال تجريف ومسح لأراضي المواطنين متجهين نحو بوابة النسر، وقاموا بهدم منزلين بما فيهما من أثاث وتسببوا فس تشريد سكان المنزلين الذين يزيد عددهم عن أربعين مواطنا ، كما تقوم قوات الاحتلال بين الحين والآخر بعمليات مسح وتجريف للشريط الحدودي، في محاولةٍ لكشف أي تحرك أو إجراء من قِبَل المقاومة.

ومن الأخبار التي ألفناها وأصبحت عادية لا تحرك فينا ساكنا وكانت تتحرك لها جيوش الأحرار في الماضي أن اعتقلت قوات الاحتىل الصهيوني ليلة المباراة الحاسمة مساء الثلاثاء 17 / 11 / 2009 امرأة فلسطينية رفضت خلع ملابسها للتفتيش بعد الاعتداء عليها بالضرب على حاجز بمدينة الخليل وقد تم نقلها
لمركز اعتقال تابع لشرطة الاحتلال في مغتصبة كريات أربع شرق المدينة .

هزت صخور الأرض صرخة حرة
يسري الخراب بحيِّها ويشيعُ

هتك اليهود هناك عرض بناتها
ذلا وجيش المسلمين وديعُ
وحتى يتفرغ اليهود لمهمتهم في المسجد الأقصى ، ألهوا كل فريق من أمتنا بلعبته المفضلة فهؤلاء منشغلون بالتناطح حول خلافات فقهية في الفروع ، وهؤلاء ملهيون في البحث عن لقمة العيش ، وهؤلاء في سكرتهم يعمهون ، وهؤلاء يتابعون كل جديد في عالم الفن ، وكلٌ في فلكٍ يسبحون
وكل عضو في جسم الانسان له أهميته وحجمه الطبيعي وبالرغم من خطورة دور كل عضو إلا أنه لو زاد حجمه عن الحجم الطبيعي لتشوه الجسد كله ، فلا يستطيع أحد كائن من كان أن يهون من شأن الرياضة ولا أن يقلل من أهمية الفن ودوره في بناء الشعوب ولا أن يمنع أحدا من أن يسعى على لقمة عيشه ولا أن يكمم أفواه العلماء من البحث في الأحكام الفقهية الفرعية ولكن كل شئ إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده
القدس تصرخ والمحارم دُنست
بطش اليهود على القطاع شنيعُ
لا يرقبون بمؤمن إلا لهم
في كل قطر مركب ومطيعُ
وحماتنا مستيقظون سلاحهم
شجب وغصن شوكه التشنيعُ
وحمامة ترمي السلام قذيفة
وتعود يرفع رأسها التطبيعُ
وإذاعة كالبرق في إرسالها
تحكي لنا وعلى الهواء تذيعُ
وتبشر الأطفال ألا تحزنوا
سيغيثكم بث به التقريعُ
ومفاوضون معاندون كلامهم
فوق الموائد مؤلم وفظيعُ
ومناضل قص الشريط بقوةٍ
فإذا البوار على يديه بقيعُ
وحماسة بالليل تلهب عزمنا
حتى إذا طلع النهار تميعُ
والفارس الوضاء في ساح الهوى
بطل همام مقبل وشجيعُ
يغزو القلوب برمش عين ساحرٍ
ويسير هونا والأسير تبيعُ
وفريقنا المغوار عند هجومه
هز الشباك فهزه التشجيعُ
واسترجع الأبطال أمجاد الألى
وأتوا بكأس زانه الترصيعُ
من للثكالى في ميادين الوغى؟
إن الجهاد فريضة فأطيعوا
فالله عز وجل حينما أراد أن يحقر الدنيا وصفها بأنها لعب ولهو فكيف بنا نضخم هذا اللعب وذلك اللهو فيصبح كل اهتمامنا في كل أوقاتنا فلا تكاد تسمع حديثا يدور هذه الأيام إلا عن المباراة الحاسمة ولا تكاد تضغط على أزرار الريموت أمام التلفاز إلا وجدت برنامجا عن المباراة القادمة وإذا أردت أن ترى شوارع القاهرة بلا ضجيج ولا ازدحام فتجول في ميادينها وقت المباراة وإذا أردت أن ترى فرحة على وجه مواطن مصري فانظر إلى ملامحه عندما تهتز شباك الفريق المنافس لفريقه المفضل وإذا أردت أن تقيس قيمة الوقت عند المواطنين فانظر إلى 2 مليون مصري يجلسون منذ الثانية عشر ظهرا إلى التاسعة مساء في استاد القاهرة الدولي وإذا أردت أن تشعربمدى ثراء الشعب المصري فاسأل عن أسعار التذاكر في السوق السوداء
ولا يقف أمر الاهتمام بهذا اللعب عند هذا الحد بل وصل إلى حد التشنجات العصبية لكثير من المشجعين وكثيرا ما سمعنا عمن مات بالسكتة القلبية حزنا وانفعالا لهزيمة فريقه الذي يشجعه ، وكثيرا ما تتعطل المصالح وتغلق المحلات وكأن البلد كلها في حالة طوارئ بسبب هذا اللعب وذلك اللهو
كنت عائدا ذات يوم من مدينة الاسماعيلية متجها إلى القاهرة برفقة صديق لي وعندما وصلنا إلى موقف السيارات سألنا أحد الركاب وكان واقفا خارج السيارة : نريد الذهاب الى ميدان رمسيس فهل هناك في موقف الاسماعيلية سيارات تحملنا الى هناك؟ فأجابنا قائلا : مفيش حاجة بتروح رمسيس من هنا كله بيروح المرج ، وفي النهاية ركبنا واستسلمنا وجلس ذلك الراكب في منتصف السيارة ونحن خلفه وظل طوال الوقت منذ أن استقر مكانه يتحدث لجاره عن كرة القدم وتاريخ اللاعبين ورأيه في المدربين وتوقعاته لمستقبل الكرة في مصر حتى تساقطت الرؤوس من حوله نوما فلم ترتفع إلا على صوته العالي أثناء انفعاله في الحديث ثم تعود للنوم مرة أخرى ، وحينما وصلنا إلى مشارف القاهرة استيقظ الجميع على صوت ذلك المحلل الرياضي متسائلا في دهشة : هي العربية دي رايحة فين ؟ فأجبناه جميعا : إلى القاهرة ، فإذا به يخبط بكلتا يديه على رأسه قائلا : ياااه أنا كنت رايح بورسعيد

من أروع ما سمعت (مش باقي مني)

Posted by حسام خليل in




الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، النَّبيِّ الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد
يقول الله تعالى في مُحْكَمِ تنزيله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ [سُوْرَةُ الإسراء: 70].. ولكنَّنا، إذ نتدبَّر في حال دنيا القرن الحادي و العشرين، واستجابةً لما أمرنا به اللهُ تعالى من أنْ نمشي في الأرض، وأنْ نرى آياته في الآفاق، آخذين منها العظة والعبرة، استعدادًا ليوم البعث الذى لا ريب فيه، سيجد المُطَّلع منَّا على حال الإنسانيَّة في الوقت الرَّاهن، أمامه صورةً بائسةً؛ حيث ظهر الفساد في البرِّ والبحر بما كَسَبَتْ أيدي النَّاس.
وبات إقصاء الآخر، بل وقتله، هو عنوان الخلاف، والسِّلاح هو لغة الحوار بين البشر، بدلاً من قِيَمِ التَّعارف والتَّعاون والتَّعايُش التي دعا الله تعالى إلى أنْ تكون هي أساس العلاقات بين البشر.. قال تعالى: ﴿يَا أيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أَكْرَمَكُم عِنْدَ اَللهِ أَتْقَاكُم إنَّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ﴾ [الحجرات: 13]
وبَعُدَتْ الإنسانيَّة عن فطرتها السَّليمة التي فطر الله عزَّ وجل النَّاس عليها، وباتت قِيَمُ الإنسانيَّة وأُخوَّة البشر في الأصل والمنبت الواحد، معانٍ مهجورة، وقيمًا ضائعةً؛ حيث لا يقيم الإنسان وزنًا لكرامة أو حتى لحياة أخيه الإنسان.
والمقصد من "الإنسانيَّة" هنا أنْ تكون قواعد التَّعامُل بين بني آدم هي القواعد التي حددها الله تعالى لإنفاذ رسالته من خلق الإنسان، وهي خلافة الله عزَّ وجل في الأرض وإقامة شريعته فيها وإعمارها بالشَّكل الذي يُحقِّق هذه الغايات الإلهيَّة العظيمة.. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سُورة البقرة: 30]
ولذلك فإنَّ "الإنسان" له مكانةٌ ساميةٌ في الدِّين الإسلاميِّ الحنيف؛ حيث جاءت الشَّريعة وأحكامُها لرعايته، وضمان حقوقِه، ‏وتحسين أحواله وتسيير أموره في الحياة الدُّنيا، ولذلك فقد سخَّر الله تعالى للإنسان كل شيءٍ.. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سُورة النَّحل: الآية 12]، وقال أيضًا ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحج: 65].
كما جعل مقاصد الشَّريعة الخمس حفظ الإنسان.. دينُه ونفسُه وعقلُه ونسله وماله، ليحفظ له حياته وكرامته.
ومن مظاهر تكريم الله تعالى للإنسان، أنْ خلقه في أحسن تقويمٍ.. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سُورة التِّين: الآية 4]، كما أنَّ الله عزَّ وجلَّ شرَّف الإنسان بأنْ ربطه بالذَّات العليَّه عندما سوَّاه بيده ونفخ فيه من روحه، وجعل الكُفْرَ بالله تعالى صِنوًا لعدم احترام وتبجيل الإنسان.. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [سُورة ص71-74]
ومن أندى ثمرات هذه القِيَم والمبادئ السَّامية، مبدأُ الإخاء الإنسانيِّ، فالنَّاس سواسيةٌ في شريعة الإسلام،‏ باعتبار واحديَّة الأصل والنَّسب؛ آدم وحواء.. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سُورة النِّساء: الآية 1]
والقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشريفة مليئةٌ بالنُّصوص التي تحتوي على خطابٍ يبدأ بعبارة "يا أيُّها النَّاس"، والرَّسول الكريم مُحمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) بُعِثَ للنَّاس كافَّة، ورحمةً للعالمين.. قال (صلى الله عليه وسلم): "إنَّما بُعِثْتُ للنَّاس كافَّة".. وقال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سُورة الأنبياء: 107]
‎ ولم نُؤْمَرُ في الإسلام بالدَّعوة إلى الله وشريعته بالعُنف والقوَّة والتَّرهيب؛ ليس لأنَّنا أًمرنا بالدَّعوة إلى سبيل ربِّنا بالحكمة والموعظة الحسنة فحسب، وليس لأنَّ الإسلام دينٌ سمحٌ فقط، ولكن أيضًا احترامًا لقَدْرِ الإنسان، وعقله، وهذا الاحترام، وهذه المساواة بين البشر جميعًا، هي التي جعلت من ربِّ العزَّةِ سبحانه يُؤكِّد على مُباشرة العلاقة ما بينه وبين عبده، فلا وساطات ولا حواجزَ بين الله والإنسان. ‏
إلى أيِّ قِيَمٍ يدعون؟
هذه هي قِيَمُ الإسلام، والتي حكمت العالم لأكثرِ من ألف سنةٍ، كانت فيها دولة الخلافة الإسلاميَّة هي المنارة الوحيدة في العالم، للعلم والأخلاق والتَّشريع وإعمال العقل، في المُقابِل، وعندما كان ابن رشد يناطح الشَّافعي، وابن الهيثم يرسم مخطوطات سدِّ أسوان، وهارون الرَّشيد يتتبَّع السُّحُبَ في السَّماء لكي يأتي بخراجها الذي أمر الله به، كان الغرب يعيش حياة الكهوف والبدائيَّة وشريعة الغاب.
وعندما ظَهَرَ ما يُعْرَفُ بعصر النَّهضة والتَّنوير في العصور الوسطى في أوروبا، وبدأ الغرب في الأخذ من الحضارة الإسلاميَّة، علمًا وفكرًا، وظنَّ النَّاسُ أنَّ العالم في سبيله إلى السَّلام والتَّعاوُن، وأنَّه سوف تسوده قيم العقل والرُّوح معًا، ما كان من "الحضارة" الغربيَّة إلا أن استنَّت العديد من القوانين والسُّنَنِ التي تتنافى مع الفطرة الإنسانيَّة السَّليمة، ومع القيم التي وضعها الله تعالى لتسيير شئون عباده في الأرض.
ومن بين هذه القيم أنْ صارت المنفعة المادِّيَّة هي الأساس، وهي معيار الحكم الوحيد على الأشياء، ومن ثمَّ عمَّت الرَّذيلة والانحلال، وباتَتْ كل الوسائل متاحة أمام البشر ما دام في استخدامها تحقيقٌ لمنفعتهم.
وهو ما كان المنطق الأساسي الذي استند إليه الأوروبيُّون والأمريكيُّون في حملاتهم الاستعماريَّة في القرون السِّتَّة الأخيرة من تاريخ الإنسانيَّة؛ حيث استحلُّوا ثروات "الشُّعوب المُتخلِّفة"، بل إنهم باعوا هذه الشُّعوب نفسها في سوق النِّخاسة.. مئات الملايين من الأنفس التي كرَّمها الله تعالى خدَمَتْ في مزارع ومصانع "الحضارة الغربيَّة"، وماتوا ولم يسمع بهم أحدٌ.
وازدادت الحروب، وازداد تخلُّف العالم غير الغربيِّ بعد قرونٍ من الهيمنة الاستعماريَّة، ونشأت شعوبٌ ودولٌ كاملةٌ لا تعرف للاستقرار معنى، ولا للحضارة وسيلةً، بعد أنْ فُرِضَتْ عليها التَّبعيَّة فرضًا، لكي تكون سوقًا لتصريف مُنتجات مصانع ومزارع الغرب، وحركة أموال مصارفه العملاقة التي أنشأها اليهود في الأساس في القرن السَّابع عشر الميلادي في أمريكا لحفظ أموال قراصنة البحار الأوائل، وضمانة أنْ تستمر هذه الشُّعوب والبلدان في تموين مصانع ومزارع "الحضارة" الغربيَّة بالمواد الخام.
وكان لسَيْطَرة قِيَم الماديَّة والبراجماتيَّة وابتعاد البشر عن دِين الإله الواحد، دورٌ كبيرٌ في ترسيخ هذا الوضع، الذي أعاد الإنسان إلى عهود شريعة الغاب والاستعباد التي كافح طويلاً لكي يتخلَّص منها، وباتت مُصطلحاتٌ مثل الأُخوَّة الإنسانيَّة والتَّعاون بعيدةً عن قاموس مفردات العلاقات بين المُجتمعات البشريَّة.
وزاد الطِّينُ سوادًا والحرائق اشتعالاً عندما التقت أهداف ومصالح الغرب برأسماليَّته المُتوحِّشة، وعلى رأسه الولايات المتحدة، مع أهداف ومطامع المشروع الصُّهيونيِّ في العالم العربيِّ والإسلاميِّ؛ حيث عمَّت الدِّماء الأرض، وباتت صور اللاجئين والمُشرَّدين هي الغالبة على أخبار أُمَّتنا المغلوبة على أمرها بفعل قوى الاستكبار العالميِّ، وبفعل قوى الاستبداد والفساد الدَّاخليِّ.
حاجة البشريَّة إلى منقذٍ :
والآن، وفي ظلِّ الخراب والدَّمار الذي قاد الغربُ الإنسانيَّةَ إليها، وفي ظلِّ سيل الدِّماء والفقر والمجاعة الذي امتدَّ فيضانه في العالم أجمع بسبب قِيَمِ النَّفعيَّة والاستكبار الغربي، باتت الإنسانيَّة في حاجةٍ إلى تطبيق سياسةٍ للإنقاذ السَّريع، تحفظ للإنسان حياته، وتصون مالَه وعِرْضَه، وتنقذ ما تبقَّى له من كرامته، وتعلي من قِيَمِ التَّعاوُن والإخاء على حساب المنافع الماديَّة والشُّعوبيَّة الضَّيِّقة.
وعبر تاريخ الإنسانيَّة الطَّويل، لم تعرف البشريَّة دعوةً أو دينٍ مثل الإسلام يمكن أنْ ينقذ العالم ممَّا تردَّى فيه.
وما قلناه في صدد تكريم الإسلام للإنسان، وإعلائه لشأنه ليس عبارةً عن شَعاراتٍ أو أمنياتٍ عاطفيَّةٍ، بل هو تجربةٌ تاريخيَّةٌ بكلِّ ما لها من معانٍ وتطبيقاتٍ أقامت يومًا دولةً هي الأعظم عبر التَّاريخ.
لقد وضع رسولنا، رسول الإنسانيَّة، مُحمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) دعائم الإخاء والمساواة والعدالة في عقيدة التَّوحيد التي بلغها عن ربِّ العزَّة سبحانه، فيقول: "‎‎يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" [رواه أحمد].
وفي خطبة حِجَّة الوداع، نجده يرسي أعظم قواعد العلاقات الإنسانيَّة وأسماها، ويعطي الإنسان قدره وكرامته وقُدُسِيَّتَه وقدسيَّةً كل ما يملكه، عندما يقول: "أيُّها النَّاس اسمَعُوا قَوْلي، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكُم بعد عامِي هذا بهذا الموقف أبدًا، أيُّها النَّاس إنَّ دماءَكُم وأموالَكُم عليكم حرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا ربَّكم كحرمةِ يَوْمِكُم هذا، وكحرمةِ شهرِكُم هذا، وإنَّكم ستَلقَوْن ربَّكُم فيسألُكُم عن أعمالكم وقد بلَّغت، فمنْ كان عِنْدَهُ أمانةٌ فليؤدِّها إلى مَنْ ائْتَمَنَهُ عليها" [رواية ابن اسحاق لخطبة الوداع]
ودينُنَا دين الأخلاق والقيم التي تحفظ للإنسان مكانته، "إنَّما بُعِثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ".. هذا هو نبيُّنا.. هذا هو دينُنَا.
وهو ليس بسلوكِ مُحمَّد (صلى الله عليه وسلَّم) فحسب، بل إنَّ الإسلام مدرسةٌ ربانيَّةٌ صبغت بمعالمها حياة المسلمين من بعد، فها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب (رضي الله عنه) يضع أوَّل لبنةٍ في أنظمة الرَّعاية الاجتماعيَّة، التي هي أسمى مظهر من مظاهر الحضارة الإنسانيَّة.. أنْ تعطِف على الطِّفل والشَّيخ وغير القادر، ولا فرق في هذا بين مسلمٍ وغير مسلمٍ في بلاد الإسلام.
فها هو أحد تلاميذ مدرسة النبوَّة، عمر الذي دانت له الأرض، يرى ذات مرَّةٍ في السُّوق شيخًا كبيرًا يسأل الناس صدقةً، فيقول له من أنت يا شيخ؟، وكان من يهود المدينة، فيقول له: "أنا شيخٌ كبيرٌ أسأل الجزية والنَّفقة"، فإذا بعمرٍ العظيم يقول: "ما أنصفناك يا شيخ، أخذنا الجزية منك شابًّا ثم ضيَّعناك شيخًا"، وأخذ بيده الى بيته، ووضع له الطَّعام، ثم بعث إلى خازن بيت مال المسلمين، ويأمره: "أفرض لهذا وأمثاله ما يُغنيه ويُغني عياله"!!
ومن عمر أيضًا، تعلَّمنا أنَّ الإسلام دينُ الرَّحمة والعدل في الحكم بين الرَّاعي والرَّعيَّة، فها هو يبكي في صلاة الفجر رقةً لبكاء أحد الأطفال الذي أجبرته أمُّه على الفطام المبكِّر للحصول على ما فُرِضَ للأطفال المفطومين من بيت المال، وأمر مناديًا يُنادي في النَّاس ألا يعجلوا بفطام أطفالهم، وفرض فريضةً لكلِّ مولودٍ.
والأمثلة على ذلك كثيرةٌ ولا تُحصى.. هذا هو إسلامُنا الذي فيه الرَّحمة حتى بالحيوان- "لكلِّ ذات كبدٍ رطبةٍ أجرًا"- دين العدالة الذي اقتصَّ لأحد أقباط مصر من ابن عمرو بن العاص حاكم مصر.. هذا الدِّين الذي يسعى أعداؤه الآن لتشويهه وطمسه، ووصمه بالوحشيَّة، بينما جماجم الأطفال والشُّيوخ في غزَّة وباقي فلسطين وفي العراق وفي افغانستان ولبنان تشهد على "رحمة" النِّظام العالميِّ الجديد!!
أيُّها المسلمون.. أيُّها المؤمنون بهذا الدِّين في كلِّ مكانٍ إنَّ الأمانة التي تحملونها الآن ثقيلةٌ.. فمطلوبٌ من كلٍّ منَّا في موقعه.. الدَّاعية.. رجل السِّياسة.. العالِم.. الصَّحفي.. الطُّلاب والصُّنَّاع والزُّرَّاع.. أنْ يعيدوا النَّظر في حالهم، وأنْ يعودوا إلى صحيح الدِّين، وأنْ يعيدوا إنتاج الإسلام كما أنزله الله.. نظام حياةٍ كاملٌ.. ليس عقائد فقد.. ليس عباداتٍ فقط.. ليس معاملاتٍ فقط.. بل هو كلُّ ذلك.. فطبِّقوا الإسلام..
أيُّها النَّاس.. آمنوا بالله ورُسُلِه وكتبه وباليوم الآخر.. أصلحوا بين النَّاس.. أيَّها الأبناء أصلحوا ما بينكم وبين أبويكم وأصلحوا ما بين أهليكم وعشيرتِكم، فالإصلاح بين النَّاس عبادةٌ ساميةٌ عظيمةٌ.. أدُّوا الأمانات.. احكموا بالعدل.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سُورة النِّساء: الآية 58].. اجتهدوا في عَمَلِكُم.. "إنَّ الله يحبُّ إذا عَمِلَ أحدُكُم عملاً أنْ يتقنَه" [حديثٌ صحيحٌ]
وهذا ما ليس فيه صلاح الأُمَّة فحسب، بل صلاحٌ وإنقاذٌ للإنسانيَّة كُلِّها، ممَّا ترَّدت فيه من هاويات البؤس والشَّقاء..
عبادَ الله تذكَّروا قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سُورة ص: الآية 150]
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين...
القاهرة فى: 24 من ذي القعدة 1430هـ الموافق 14 نوفمبر 2009م

عنتر عبلة شجيع السيما

Posted by حسام خليل in

.